| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأحد 5/10/ 2008



نقرة السلمان
(25)

جاسم المطير

رسائل سجنية ومضامين خاصة.
لم أفعل شيئاً هذا اليوم فقد كنتُ متعباً ولأول مرة صرتُ من صنف التنابلة فقد استيقظت في الساعة العاشرة أثناء مجيء البريد وتوزيعه ..

كنتُ قد كتبتُ رسالة الى والدتي الليلة البارحة لأرسالها إليها بالبريد .. كما سلمني محمد السعدي رسالة واردة من سجن الحلة .

إضافة الى ذلك رسالة من صديقي عربي فرحان ..

هكذا أعطيت الى محمد السعدي رسالة واستلمت منه رسالة وعدتُ الى النوم .. وهذا هو محتوى الرسائل :

الرسالة الاولى :

الى صديقي العزيز جاسم المطير
تحية طيبة لك ولجميع السجناء ..

أود أعلامك ان يحي قاف قد وصل الى سجن الحلة وهو بصحة غير جيدة إذ أن طريق السفر اتعبه خاصة في المسافة بين سجن السلمان ومدينة السماوة حيث الطريق الوعرة واهتزازات السيارة غير المريحة أصلاً وكذلك العواصف الترابية المتواصلة في تلك المنطقة .

قال لي أن السفرة غير مريحة وقد صادفتهم عاصفة قوية جداً لم تنفع معها كل محاولة للتخلص من ترابها فصارت الاجسام والاغراض والافرشة وسيارة الشرطة جميعها مغطاة بالاتربة الكثيفة ولا يسعني سوى القول : يا لبؤس حال السجناء .. الى متى سيبقون على هذه الحال يا ترى ..؟

هنا أود أن أذكر لك حالة آلمتني كثيراً ..

وصل يحي قاف الى السجن صباحاً .. ظل حتى الظهيرة بلا مكان ..

مع الاسف الشديد ان بعض السجناء رفضوا قبول وجود هذا المناضل في قاعاتهم وذلك بسبب كبر سنه وشيخوخته وأمراضه التي تستلزم عناية متواصلة لمساعدته وخدمته من قبل السجين الذي يجاوره ..

كان السجناء يتقاعسون وبعضهم يتهرب من مساعدته لأنه كان ، كما تعلم أنت ، يستقبل كثيراً من الضيوف من السجناء بل هو مركز تجمع السجناء من أبناء مدينة الموصل والكثير من ادباء السجن .. وانه من هذه الناحية يحتاج الى مكان واسع لأستقبال ضيوفه .. وهذا يعني ان المجاورين له سوف لا يجدون الراحة في مجاورته ما دام هو قريباً منهم ..

للعلم أقول لك ان سجن الحلة قائم على نفس نظام بناء سجن نقرة السلمان من حيث التشابه في القواويش . ليس في السجن غرفة منفردة حتى يستقل بها هذا الرجل . وعندما سمعت عن الموقف المحرج بينه وبين السجناء قررت التنازل عن مكاني له في القاعة رقم 3 في السجن الجديد .

كان مكاني في موقع مريح ، لأنه في زاوية . وعلى الرغم من محاولات عدنان عبد الصاحب والمسؤولين في القاعة المذكورة أخذت فراشي الى الساحة وطلبت نقل يحي قاف اليها بدلا مني . فعلا تم ذلك حيث اخلي مكان عند مدخل باب القاعة وهو نفس المكان الذي انتقل اليه صالح الشايجي وهو مناضل من اهل الزبير مارس النقد الادبي كما عرف بانه نهم لقراءة الكتب اثناء وجوده في سجن السلمان وقد نذر نفسه ووقته لمساعدة يحي قاف . يقدم له اصعب مطالب شيخ عاجز عن الحركة وعن السمع وعن البصر التام فكان صالح الشايجي مثالا نادرا يعتز به السجناء .

أخي العزيز جاسم :

أنت قبل غيرك تعرف أي عمل عظيم وجبار يقدمه هذا الشاب صالح الشايجي الذي لا يمكن تصور شهامته ..

في يوم إعلان سقوط طائرة عبد السلام عارف وموته كان يحي قاف نائماً ، وقال لي يونس مجيد ، أبن مدينته الموصل : تعال نجلس الى جانب فراش يحي قاف الى حين استيقاظه من نومه ونخبره عن الحدث الذي هز العراق كله ..

ذهبت معه وجلسنا معا الى جانبه .

استيقظ من نومه وتحدث اليه يونس باللهجة المصلاوية ملاطفاً إياه .

أهتم كعادته بالراديو فكان يحرك مؤشره بينما وضع اللاقطة في أذنه . بعد انتهاء تلاوة القرآن الكريم سمع يحي قاف خبر موت عبد السلام عارف ، فسأل يونس مجيد عن صحة الخبر فأكده له ..

في تلك اللحظة بدأت ملامح يحي قاف يشوبها حزن عميق ، فهمس يونس في أذني بأنه يتذكر موت أحد أولاده في حادث حريق حدث في الموصل كلما طرقت اسماعه حادثة موت أحد من الناس ..

لم يكن صالح الشايجي موجوداً حين طلب يحي قاف مصاحبته للذهاب الى المرافق الصحية فذهب معه يونس مجيد وبقيت في مكاني منتظراً عودتهما ..

لم تمض سوى دقائق معدودات حتى عاد يونس ليخبرني أن يحي قاف سقط على الأرض متشنجاً وقد حمله الشباب بسرعة الى الأدارة ومنها الى المستشفى ..

كانت مدينة الحلة كما العراق كله منشغلاً بموت عبد السلام عارف وبالبحث عن بديله في الرئاسة ..

فجاء خبر محزن في المساء : مات يحي قاف بالسكتة الدماغية ..

حزن الجميع حزناً شديداً .. كان صالح الشايجي أكثرنا حزنا وألما ً..

بقيت جثته في مستشفى الحلة ليومين حتى وصول عائلته لاستلامها . رحمه الله وتعازينا لكم ولكل محبيه في سجن نقرة السلمان ..

قدمنا تعازينا الحارة لصالح الشايجي الأبن الوفي والمثال الحقيقي للأخلاص في هذا الزمان ..

ولا بد من التذكير بأن يحي قاف كما اخبرني يونس مجيد هو من مواليد الموصل عام 1988 يلقبه أهالي الموصل بالمعلم الأول لأنه مارس مهنة التعليم قبل الحرب العالمية الأولى . كما عمل صحفياً وكاتباً بمجلة الغري الصادرة بالنجف . أبتكر طريقة خاصة لمكافحة الأمية لدى الكبار . وقد طبق سجناء السلمان طريقته التي أثمرت في تعليم عشرات الاميين من السجناء ..

من مواقفه المشهورة أنه أعلن عدم موافقته على استفتاء تنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق . وقد أعلن موقفه في اجتماع عام حضره الملك نفسه . وعندما لامه بعض اصدقائه وحذروه من مغبة صراحته ، قال عن نفسه : يحي قاف يقول الحق ولا يخاف ..

أعتقل في شباط 1963 وأرسل الى سجن نقرة السلمان ..

ورحمة الله على روحه الطاهرة ..

أخوكم
عبد الأمير صادق
سجن الحلة / قاووش رقم 3

***

أما رسالتي الصادرة فقد كتبتها لوالدتي . حاولت الآن أن أتذكر لماذا أرسلتها وما هو مغزاها وماذا كانت تحمل من جمل مشفرة لكنني لم أتذكر شيئاً ..

الى والدتي العزيزة :

تحية طيبة

أود أن أنقل لكِ سرور جميع السجناء أو أغلبهم خلال الأسبوع الفائت . في الواقع لا يستطيع فعل الكتابة على هذه الورقة البيضاء ان يوضح مقدار ذلك السرور وعمقه .. أنه لأمر نادر أن يكون سجين ما مسروراً أو سعيداً إلاّ السجين السياسي . فالسجين السياسي يتعافى من كآبة السجن كلما تنامى أمل كبير في داخله بأحقية قضية شعبه .

نريد أن نحس نحن سكان سجن نقرة السلمان بأننا مثل الناس الآخرين نفرح ونضحك ونسعد مهما كانت سنواتنا طويلة وأحمالنا ثقيلة ..

نظمت اللجنة الرياضية مهرجانها الرياضي السنوي في ألعاب الساحة والميدان ، كما أجريت مباراة جميلة بين فرق القواويش العشرة وفريق السجن القديم بكرة القدم وكرة السلة وغيرها من ألعاب الكرات . أشتركتُ بمباراة كرة الريشة ففشلتُ فيها واشتركتُ بمباراة كرة المنضدة أيضاً .. فهل تحزرين ماذا كانت نتيجتي ..؟

صرت الفائز السابع على السجن . والفائز الأول على قاووشي ..!

من ألطف المباريات التي اقيمت هي لعبة كرة القدم بين فريق الأطباء السجناء ، وفريق المحامين السجناء . وقد فاز فريق المحامين بعشرة أهداف مقابل تسعة أهداف حققها فريق الأطباء .

كان هناك تنافس شديد بين مهاجم المحامين كاظم علي جواد ومدافع الأطباء الدكتور سعيد غدير . ورغم الهجمات الكثيرة للمحامي كاظم علي جواد إلاّ أنه لم يحقق أي هدف . جميع الأهداف العشرة حققها غيره . قبل نهاية المباراة أوقع الدكتور سعيد خصمه كاظم على ارض الملعب فأصيب برض قوي في ساعده . الغريب في الأمر أن حكم المباراة عبد الوهاب طاهر لم يحتسب فأولا على الدكتور سعيد فأتهمه جمهور المشاهدين بالأنحياز الى فريق الأطباء ..

كانت هناك مباراة أخرى بين فريق العمال وفريق الفلاحين بكرة السلة .

كنت أنا حكم المباراة . نزل فريق الفلاحين برئاسة أبو أسلم بالدشاديش حالما اعلنت بالصافرة بدء المباراة . بينما نزل فريق العمال برئاسة صادق الفلاحي بالتراكسوتات . وقد أعترضتُ على ملابس الفريقين ، فأصر الفلاحون على ملابسهم لأنهم لا يريدون تغييرها لا الى الشورت ( عيب ) ولا إلى ملابس الافندية ( التراكسوت ) لأن ذلك لا ينسجم لا بمهنة الفلاحة ولا بطبقة الفلاحين الكادحين ولا بأعمار أغلبهم التي تجاوزت الخمسين . احتجوا مهددين بالإضراب عن اللعب وترك الملعب في الحال إذا أصررت على تغيير ملابسهم . كما فرضوا شرطاً آخر وهو ان تكون المباراة بشوطين كل شوط بعشرة دقائق .. وقد توصلت معهم أثناء نصف ساعة من المفاوضات لجعل الشوط الأول ربع ساعة ثم استراحة لنصف ساعة والشوط الثاني يكون بعشر دقائق ..!!

كانت نتيجة المباراة التعادل بدون أهداف .. إذ لم يستطع أي واحد من الفريقين إدخال الكرة في السلة ..

بعضهم لم يتورع من استخدام قدميه في ضرب الكرة ..

طالب صادق جعفر الفلاحي رئيس الفريق العمالي مرتين بوقف اللعب لأخذ استراحة لمدة خمس دقائق كلما خرجت الكرة الى خارج الملعب .

عدد من اعضاء الفريقين طالبوا فترة خاصة للتدخين .. حين رفضت طلبهم هددوني بالاضراب من جديد أو بتغييري .. وقد دخنوا براحتهم ولم يستجيبوا لصافرتي ..

كان يوم سعيدا حقاً .. ثأرنا للكآبة التي يريد أعداء الحرية ان نظل خاضعين لها ..

أرجوكِ ، يا أماه ، أن تبلغي تحياتي الحارة للوالد ولجميع الاهل والاصدقاء ..

المخلص
ابنك جاسم المطير

***

الرسالة الثالثة أستلمتها مساء يوم أمس من عربي فرحان الرجل العسكري الذي حمل رتبة رئيس ركن إذ توطدت علاقتي به من خلال العمل المشترك . الحقيقة التي يجب أن أقولها أنني كنتُ معجباً بهذا الرجل العسكري منذ أول تعارف بيننا في البصرة . كما وجدته داخل السجن مثالاً للعمل والتفاني واستغلال الوقت في الثقافة وفي الحوار بين السجناء .

في يوم من الايام الماضية جمعتنا نوبة خفارة (حراسة ) مشتركة لمدة ساعتين . أثناء تجوالنا حول السجن ساد حديث طويل بيننا عن البصرة وعن الوضع العسكري والرسمي فيها خلال الفترة المباشرة بعد الثورة . وأظن أن هذا الرجل يملك خيوطاً كثيرة عن تاريخ تلك الفترة مثلما أملك أنا تفاصيل تاريخ الحزب الشيوعي في البصرة والنشاط السياسي المدني فيها لتلك الفترة أيضاً .

بعد انتهاء خفارتنا أخبرته بخطتي في الكتابة عن سجن نقرة السلمان وعن الاحداث المرتبطة بسجناء هذا السجن عندما كانوا خارجه . وقد طلبت منه تدوين معلوماته أيضاً فرحب بذلك أجمل ترحيب وأبدى استعداده لتزويدي بكل معلوماته . وقد وصلتني معلوماته بالرسالة التالية بعد فترة طويلة :

الصديق العزيز جاسم المطير

تحية طيبة وبعد :

بعد ثورة 14 تموز مباشرة صدر أمر تعييني بمنصب ضابط ركن الحركات الثالث للواء المشاة الخامس عشر الذي كان مقره في معسكر محمد القاسم بمدينة البصرة . كان معي ضابط آخر هو الرئيس الركن صبحي الطعان ..

كنا نحن الأثنين من خريجي ضباط الركن للدورة الثالثة والعشرين لكلية الأركان العراقية البالغ عددهم واحدا وعشرين ضابطا ، كما كنا نتمتع باجازة التخرج التي أمدها أسبوعين .

من المفارقات التي أسجلها ان هذه الدورة تخرجت يوم 9/7/1958 أي قبل الثورة بخمسة أيام .. وأتذكر أيضاً أن الملك فيصل الثاني قد حضر حفل التخرج هذا ..كما كان من بين الحضور بعض الوزراء والمدعوين من موظفي الدولة الكبار ورئيس أركان الجيش العراقي اللواء الركن رفيق عارف وبعض مندوبي السلك الخارجي الأجنبي . لم يحضر الحفل لا الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله ولا نوري السعيد الذي كان رئيساً للوزراء ..

أما الحضور من ضباط الجيش العراقي فكان كل من الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد الوهاب الشواف والمقدم الركن عبد الكريم فرحان والعقيد الركن محي الدين عبد الحميد والعقيد الركن محسن حسين الحبيب والمقدم رجب عبد المجيد والمقدم الركن صبيح علي غالب وغيرهم من الضباط الذين شاركوا بعد أيام في صنع الثورة وإنجاحها .

كان المقرر أن تنبثق ثورة تموز من هذا المكان ، أي من كلية الأركان وبهذه المناسبة ذاتها بعد القضاء على نوري السعيد وألقاء القبض على الملك والوصي في آن واحد ، غير أن كل شيء قد تغير بسبب عدم حضور الأقطاب الرئيسيين في النظام الملكي .

هذا ما قاله لي وأكده بعض الأصدقاء والزملاء من ضباط الثورة وأخص منهم الرئيس الركن عبد المنعم لفتة الريفي والرئيس جميل خليل حداد والرئيس جميل خليل العبوسي وكلهم كانوا من تنظيم الضباط الأحرار ، حيث ألتقيت بهم بعد الثورة مباشرة بعد التحاقي بمقر الوحدات العسكرية التي كانت بأمرة العقيد عبد اللطيف الدراجي الذي قام باحتلال مقر وزارة الدفاع ليلة الثورة متخذاً من الثكنة الشمالية ( الكرنتينة ) مقراً جديداً له .

ركبتُ القطار النازل إلى البصرة ليلة 17/18 من تموز وقد وصلت الى مقر اللواء صباحاً . كنت مع أصحابي نشعر بالنشوة التامة وبلذة انتصار الثورة وهي لمّا تزل في يومها الخامس . تملكني إحساس قوي واندفاع لا إرادي نحو القيام بجهد فريد النوع لصيانة الجمهورية الوليدة وخدمة مبادئها إذ كنت على وعي ويقين بأن أعداء الثورة كثيرون وبأن المتصدين لها في المستقبل كثيرون أيضاً ، فقد كنت طوال الست سنوات الماضية متابعاً لماجريات الأحداث التي صاحبت أو عرقلت تطور الثورة المصرية وزعيمها جمال عبد الناصر . كما كنت واع تماماً للأساليب التي تحرك مصالح الدول الاستعمارية وشركاتها االاحتكارية وخاصة شركات النفط .

كان هذا الشعور قد انتابني على الفور وأنا أضع قدمي في أرض البصرة التي أعرف مدى الحجم الكبير الذي تحتله فيها مواقع الشركات الأجنبية وخاصة شركة نفط البصرة ، كما كنت على إطلاع تام ببذور الصراعات مع المصالح الإيرانية في شط العرب ومع إمارة الكويت باعتبارها قاعدة استعمارية كبرى ، عسكرية بالدرجة الأولى في منطقة الخليج .

لا أدري لماذا انتعشت في داخلي في تلك اللحظات بالذات روح وطنية فياضة وعارمة ، شاعراً بالضبط بنفس المشاعر الوطنية التي غمرتني في أيام المظاهرات الشعبية في وثبة كانون 1948 وفي انتفاضة تشرين 1952 وأنا أشارك بهما ..

حال وصولنا الى المقر دعانا آمر اللواء العقيد عبد المجيد علي الى دائرته لمقابلته وكان هو أيضاً قد عينته قيادة الثورة بهذا المنصب حديثاً بعد أن أحيل الزعيم الركن أحمد محمد يحي آمر اللواء 15 السابق على التقاعد قبل أيام قليلة . كما رأينا المقدم الركن ماجد نجم الدراجي مقدم اللواء الذي تم تعيينه بدلا من مقدم اللواء السابق العقيد الركن محمد مجيد الشوك الذي ظل بالمسئولية من دون منصب حتى يصدر قرار نهائي بشأنه ..

في ساعة استقباله لنا قال العقيد مجيد علي آمر اللواء الجديد في خطابه القصير :

أيها الأخوان .. ان الثورة هي ثورة الجيش والشعب معاً وأن أمر تعييننا في هذا اللواء ما هو إلاّ تكليف غير عادي من قبل قيادة الثورة .. وما علينا إلاّ العمل بجد وأخلاص ويداً واحدة لصيانة الثورة ومبادئها ..

ثم تناول بكلامه مسائل خاصة به منها مساهمته في فترات سابقة من خدمته في صفوف الجيش العراقي كاشتراكه في انقلاب بكر صدقي عام 1936 واشتراكه في حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 وغيرها ..

من خلال كلامه أظهر لنا أنه يحمل أفكاراً وطنية كما اشار بطريقة ما الى رابطة صداقة معينة تربطه بعبد السلام عارف .

أشار أيضاً إلي علاقة معرفة معينة تربطه بالزعيم عبد الكريم قاسم ..

للعلم فأن العقيد عبد المجيد هو من الأشقاء الأكراد وكان مسروراً جداً بمنصبه الجديد كآمر اللواء الخامس عشر رغم انه ليس من خريجي الأركان كما تقتضي القوانين العسكرية بذلك ..

الجو حار وخانق في مدينة البصرة في تموز .. رغم ذلك فأن الأيام التالية ليوم الثورة تشهد المظاهرات وتجمعات الجماهير الشعبية في الساحات العامة وفي مقرات المنظمات الجماهيرية وخاصة المنظمات العمالية التي لا تنفك كل يوم من اعلان تأييدها للثورة وقيادتها بمختلف الوسائل ..

كنا نحن ضباط المقر والوحدات العسكرية التابعة له في حالة مضطربة ، لا ندري بالضبط ماذا علينا أن نفعله ، وماذا يجب أن نقوم به في مثل هذه الظروف العصيبة والحرجة بما تحمله من حساسية فائقة من الناحيتين المدنية والعسكرية . كانت الأيام تحمل تجربتنا الأولى في الثورة وضرورة صيانتها .. لكن الرؤية لم تكن واضحة أمامنا ، خاصة وأن الأوامر والتعليمات تتوالى علينا من الحاكم العسكري العام أحمد صالح العبدي ..

من الناحية العسكرية كنا في حيرة أكبر ، وبصراحة أقول كنا نضع أمام أعيننا مباشرة احتمالات التدخل العسكري الأمريكي ـ البريطاني التي وصلتنا معلومات عن تحشدها وتواجدها في البلدان المجاورة للحدود العراقية في منطقة الخليج والسعودية و ايران بالاضافة الى نزول القوات الامريكية في لبنان والبريطانية في الاردن ..

أنفتحت أعيننا جيداً الى احتمالات احتلال منطقة الرميلة النفطية التي كانت وما تزال تشكل قمة من أهم قمم المصالح النفطية الأحتكارية . ، لا سيما وان في البصرة المقرات الرئيسية لشركات النفط العاملة في العراق وفيها مكاتب شركات بحرية غربية عديدة ، مما أوجد جالية غربية من مختلف الجنسيات الاوربية والامريكية إضافة الى وجود خبراء أجانب في مختلف دوائر الميناء والسكك والنقل الجوي وفي مشاريع البناء وغيرها .. إضافة لذلك فهناك عدد غير قليل من الموظفين العراقيين الكبار المنتفعين من علاقاتهم مع الموظفين والمدراء الاجانب ..

هنالك صفة تميز مدينة البصرة وهي أن أغلب سكان اللواء هم من الفقراء المعدمين . من العاملين في المواني وحقول النفط ومن العاطلين عن العمل يقطنون آلاف الصرائف في ظروف معيشية بائسة ..

الى جانبهم تتمتع بامتيازات معيشية وسياسية كبيرة كل الفئات الكومبرادورية من كبار التجار والمستوردين ووكلاء الشركات الاجنبية وأغلبهم يرتبطون بالمصالح الأجنبية ، منهم بعض التجار من آل السعدون وآل الذكير والمنديل والشمخاني والمقيم الباكستاني الحاج جيتة وشركة حنا الشيخ . إضافة الى ذلك فأن الكثير من الملاكين والإقطاعيين توجسوا خيفة من أن تكون الثورة قد تلحق بمصالحهم الضرر كما كانت الاذاعات والصحف الأجنبية الغربية تروج لذلك ..

الى جانب هؤلاء توجد بعض المرجعيات الدينية خاصة في الزبير لم تكن مرتاحة لهذا التغير الثوري الكبير في الحكومة وفي وعي الجماهير وتظاهراتها .

من المراكز الخطيرة الموجودة في البصرة التي من المحتمل ، بل المؤكد ، تحركها بهذا الشكل أو ذاك ضد الثورة ، وأعني بذلك وجود هيئات دبلوماسية في البصرة كالقنصليتين البريطانية والأمريكية ، الى جانبهما يوجد المركز الثقافي البريطاني و مكتب " النقطة الرابعة " الأمريكية وهما مركزان كانت مهماتهما التركيز على العمل الدعائي لما يسمى بالعالم الحر . يتركز عملهما بصفة خاصة بين طلاب المدارس والنخب المثقفة . وكانت للقنصليتين علاقات غير قليلة مع كبار التجار وحتى مع الجمهور البصري وبأشكال ودوافع وأهداف مختلفة .

الأمر المؤسف والسلبي في الصورة العسكرية بالبصرة هو وجود بعض المناوئين للثورة تجسد في موقف بعض الضباط الموجودين على رأس قطعاتهم حين بدأوا يسفرون بوجوههم عن مناوأتهم للثورة وقائدها الزعيم عبد الكريم قاسم بعد أيام قليلة من انبثاقها . كل واحد منهم يطمع لنفسه بمنصب أهم وأكبر ..

أول المتذمرين كان العقيد عبد الغني الراوي ـ وهو من تنظيم الضباط الاحرار ـ كان يقوم بالتجول والتبختر بشوارع العشار يحرسه أربعة أشخاص . أثنان من الضباط الملازمين أمامه ، وأثنان من العرفاء خلفه ، وهم يحملون السلاح وكأنه هو قائد الثورة وهو صانعها ، وكان يسر المقربين له بأن عبد الكريم قاسم لم ينصفه فمثلاً أدعى انه أهم من العقيد عبد المجيد علي بتولي آمرية اللواء الخامس عشر .

الى جانب الاندفاع العارم لغالبية الضباط والجنود لتأييد الثورة وأهدافها وقيادتها لمسنا منذ الأيام الأولي وجود تذمر وعدم رضا من عدد قليل من الضباط . من الضباط المتذمرين على الثورة أيضاً ، يتحدثون عن أفكارهم وملاحظاتهم علناً أحياناً وفي مجالسهم الخاصة في أحيان أخرى وقد أفرزتهم مواقفهم خلال الأحداث اللاحقة . من هؤلاء الضباط :

- اللواء الركن مزهر الشاوي عينته الثورة مديراً عاماً للموانيء العراقية .
- اللواء الركن عبد الرزاق عبد الوهاب تم تعيينه متصرفاً للواء البصرة..
- العقيد الطيار الركن صادق العزاوي تم تعيينه مديراً لأرصفة الموانئ ..
- الرئيس الركن عامر حسك تم تعيينه مديراً لشرطة اللواء ..

الى جانب هؤلاء فأن تذمراً مماثلاً كان موجوداً بين صفوف ضباط آخرين تم تعيينهم بمواقع عسكرية .. منهم الأسماء التالية :

- العقيد الركن حسن صبري محمد حسن تم تعيينه آمراً للفوج الأول في اللواء الخامس عشر .
- العقيد الركن إبراهيم فيصل الأنصاري تم تعيينه آمراً للفوج الثاني في اللواء الخامس عشر ..
- المقدم الطيار محمد ناصر تم تعيينه آمراً للقاعدة الجوية في الشعيبة .
- العقيد جلال أحمد طه إسماعيل تم تعيينه آمراً لكتيبة المدفعية الخامسة في الشعيبة ..
- العقيد عبد الرحمن التكريتي تم تعيينه معاوناً لآمر الفوج الثالث ( العقيد الركن عبد الغني الراوي ) في اللواء الخامس عشر ..
- المقدم فاضل عساف تم تعيينه آمر سرية حراسة مقر موقع البصرة ..
- المقدم الركن ماجد نجم الدراجي تم تعيينه بوظيفة مقدم ركن اللواء الخامس عشر ..
- الرئيس عبد الرزاق الفريح تم تعيينه ضابطاً لاستخبارات اللواء الخامس عشر ..
- الرئيس الركن صبحي محمود الطعان تم تعيينه وكيلاً لمعاون مدير إدارة وميرة اللواء الخامس عشر ..

إضافة الى ذلك كان هناك غيرهم من الرتب الصغيرة يدورون في فلك القادة المذكورين أعلاه . على سبيل المثال الرئيس عزيز العبوسي والملازم أحمد المعيني وغيرهما من الذين نصبوا العداء للثورة من أيامها الأولى كما ثبت ذلك في ما بعد وحتى قبل ان تظهر النزاعات الحزبية على السطح بعد ..

هذه هي باختصار الصورة العسكرية في البصرة في الأيام الأولى من ثورة 14 تموز ..

المخلص عربي فرحان
السجين في سجن نقرة السلمان ..


 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس