| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأثنين 6/10/ 2008



نقرة السلمان
(26)

جاسم المطير

سجين يحاول الانتحار
أول أمس ضجّ السجناء كلهم . أصوات أشبه ما تكون بالصراخ أتت من أحدى زوايا السجن .عدد من السجناء يتراكض بأتجاه الحمامات الواقعة في نهاية الممر الشرقي المحاذي للقاعة التي أسكن فيها. كنت في الفراش وبيدي كتاب صغير عن محمد عبده. أقرأ فيه وأنا متعب تماماً. الزكام هدّ حيلي . حين أكون مريضاً أود دائماً أن أمتلك القدرة على السكون في الفراش لكن من أين تأتي السكينة والسجن يضم آلاف السجناء (عددنا اليوم 4169) وكل شيء يصعب في حياة هذا الكم الهائل من المعاناة والظلم الفادح. أين ضمائر العالم يا ترى..؟

كل الاخبار الواردة الينا من الخارج تعجل بإضعاف رباطة الجأش والشجاعة لدى بعض السجناء مما يجعل مهمة المنظمة الحزبية صعبة للغاية في محاربة وسائل الخوف والتخويف التي تنشرها وسائل الاعلام المعادية للشيوعية لكي يبقى جنس الناس في النقرة بنوع عال من الجرأة والشجاعة . على رفاق المنظمة الحزبية ان يشيدوا حصنا او جدارا منيعا يقي السجناء من غارات فكرية - رجعية تحاول حكومة عارف ان تستولي بها على معنويات السجناء .

قبل قليل انهيت الحديث المكرر المتواصل مع (س) وهو سجين شاب من مدينتي ( لا أريد ذكر أسمه ) . انهارت معنوياته فجأة بعد انتهاء مواجهته مع والدته قبل أسبوعين حين نقلت له خبرا عن شقيقة له بعمر 19 سنة هربت مع شاب تعشقه من مدينة البصرة إلى بغداد رفض والدها قبول زواجهما . عائلتها لا تعرف عنها شيئا بعد ذلك . يريد السجين(س) الخروج من السجن حتى ولو بإعطاء البراءة لمتابعة قضية هروب شقيقته والانتقام منها . كلفتني المنظمة السجنية بمهمة صعبة هي محاولة رفع معنوياته لكونه من اصدقائي ولآنني ، كما تعتقد المنظمة ، شديد التأثير عليه وعلى مستقبله . لم يكن بمقدوري غير تهدئة نفسيته والعمل السريع على تثقيفه بطبيعة مجتمعنا العراقي وتناقضاته الكثيرة ومآسية المتعددة الانواع . كذلك وجدت ضرورة العناية بدفعه نحو قراءة الكتب وزيادة حصانته تجاه ما يجول داخل عقله . بالفعل اعطيته بعض الكتب والروايات لقراءتها وصار مشغولا بالقراءة التي كنت اناقشه أو يناقشني حول بعض مضامينها .

بدأت ألاحظ ، يوما بعد آخر، أن نفسيته تتجه نحو الهدوء ونحو القبول بالامر الواقع ، وهو أمر لا يتعلق به أو بوجوده داخل السجن بل يتعلق بمجمل الاوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعاني منها الناس في كل مكان أو زمان .

لا شيء يمكن أن يلهي السجين ، في داخل السجن عن مآسي عائلته خارج السجن ، غير القراءة. بل أن المشاع في السجن أن إرادة القراءة هي أحدى الوسائل المهمة في مكافحة الأمراض الفسيولوجية والعقلية . كلما كان المريض يعاني أكثر عليه أن يقرأ أكثر. كلما كان المرض شديداً فأن القراءة المركزة تسرع في القضاء عليه. هذا أعتقاد بشّر به أطباء السجن وأثبتت تجربتي صحته. ( يوجد في السجن 18 طبيباً يحملون شهادات الأختصاص كل في مجال طبي معين وهم من أهم وأبرز أطباء العراق. أذكر منهم الدكتور رافد أديب بابان ، والدكتور قتيبة الشيخ نوري المتخصص بأمراض الأنف والأذن والحنجرة وهو رسام بارع أيضاً، والدكتور فاضل الطائي طبيب الأسنان ، والدكتور سعيد غدير طبيب التخدير ، والدكتور أحمد حسن البامرني جراح قدير ، والدكتور عاصم وهو من الأخوان الصابئة المندائيين، والدكتور فائق السامرائي من أنشط المهتمين بأختصاصات الأورام، والدكتور عبد الصمد نعمان ، والدكتور الصيدلي نعمان ثابت ، والدكتور الصيدلي كريم. وهناك في السجن عدد غير قليل من الصيادلة. ) . لكن هذا الكم من الاطباء في النقرة غير قادر على معالجة الاوضاع النفسية الهائلة بين السجناء الناتجة عن تخلف مجتمعنا بالأساس .

أزداد ضجيج السجناء . فجأة وجدتُ ( س ) واقفا أمامي لينقل لي خبرا مؤلما :

ــ لقد أنتحر صديقك عبد القادر العزاوي .

غادرتُ مكاني ، وقد تبعني (س) بأتجاه الحمامات حيث تجمع حولها عدد كبير من السجناء ، ثم أمتد التجمع نحو غرفة العلاج الطبي داخل السجن (العيادة) . ومن الطريف أنني وجدتُ عدداً من الأصدقاء يضحك وسط هذا الضجيج . يبدو أن الحدث ترك في بعض النفوس ما يُضحك .

سألتُ أحدهم:

ــ ما الخبر..؟

أبتسم وقال:

ــ إن قدوري العظيم أنتحر. لا أحد يدري السبب لكنه لم يمت. حاول الأنتحار.

ــ هل هو في حالة خطرة..؟

ــ كلا..

ثم وصف لي المشهد وصفاً دقيقاً. وجه ( قدوري العظيم ) كان ممتقعاً وكانت عيناه مغمضتين، وفي رسغ يده اليسرى بقايا دم متخثر. كان قد جرح نفسه بالموس وأراد أن يلقي نفسه بحوض المياه الوسخة التي نزل فيها فعلا . لولا أن شاهده أثنان من السجناء في حالته الصعبة بعد الجرح لكان الآن في عداد الموتى.

ما دفعه الى الانتحار هو نبأ وفاة الشاعر بدر شاكر السياب الذي تناقلته الإذاعات العالمية والعربية نقلاً عن إذاعة الكويت التي مات الشاعر غريباً في أحد مستشفياتها. لا ادري اية مأساة هذه هل من المعقول ان يقتل سجين نفسه تعبيرا عن حبه لشاعر عراقي غريب مات في الكويت ..ربما .

احترق قلبي لحظات على ما فعله هذا المسكين الذي اراد تفخيم مكانته الشعرية بمحاولة الانتحار ابتغاء الحصول على اهتمام ورضا السجناء على قصائده الشعرية أو على تعلقه بشعر الشاعر بدر شاكر السياب . من يدري ربما يكون صادقا في محاولته الخلاص من دنيا نقرة السلمان وهي دنيا عذاب لمن يقبع في هذا السجن المحاصر بالعواصف الترابية التي تجعل كل قلب هنا يخفق بالقلق الغامض فيغلق رؤية المستقبل لدى بعض النفوس التي تجري في عروقها دماء الخوف .

قدوري العظيم هو في الأصل عبد القادر العزاوي . شاب بسيط للغاية ومكافح جيد داخل السجن. ليس شيوعيا ولا يعرف عن تاريخ الحزب الشيوعي شيئا قبل دخوله السجن ولا عن نضالاته . أتهموه بالشيوعية وأرسلوه إلى ظلمة النقرة . وفيها بدأ يهضم بعض المعلومات عن الشيوعية والشيوعيين .

تعلق بثلاثة سجناء صاروا مثالا ايجابيا بعينيه . الاول هو سامي احمد الذي كان يكرس وقته وحياته داخل السجن من اجل السجناء كلهم فتعلـّم فعلا مجاراته في عمل ٍ يومي ٍ متواصل لخدمة السجناء من دون ان يعرف ثمة ليل او نهار داخل السجن، فهو لا يكل ولا يمل من العمل .

الثاني هو الشاعر ألفريد سمعان الذي تعلم منه ان حياة الانسان قصيرة ولن يجعلها طويلة ، كما قال له ألفريد ، غير الشعر، حفظه ونظمه .

لذلك قرر قدوري العظيم ان يغدو شاعرا مثل الفريد سمعان رغم أنه لم يكمل الدراسة الابتدائية .

اما الشخص الثالث فهو مظفر النواب الذي يعتبره السجين الوحيد الذي يهيم بصوته الاخاذ لنشر كل الافكار والصفات النبيلة بين السجناء بشجاعة لا يملكها غير انسان مناضل بقوة الاسد وبصوت لا يملكه غير اجمل الطيور وأرقها .

لم يكن الشاب قدوري العظيم عابثا في ما قال ويقوله فقد تعرف بسرعة الى فنون الشعر نظما ووزنا وتجمعت لديه بسرعة فائقة قدرة حفظ دواوين عديدة للشاعر بدر شاكر السياب واصبح بوسعه ، ذات ليلة ، ان يقرأ في الندوة الاسبوعية قصيدته الاولى التي عرضها على الشاعر هاشم صاحب مدققا اياها وزنها ، وعرضها أيضا على محمد الجزائري لتدقيق معانيها . بعد تلك الندوة ظفر بلقب ( الشاعر الشاب عبد القادر العزاوي ) ..

بنفس الوقت كان عبد القادر العزاوي يعمل في قسم الخدمات داخل السجن . بل اصبح المعروف عنه انه يريح نفسه بالعمل حتى غدا قسم الخدمات لا يخطو اية خطوة من دون مشاركته اليومية في كل واجب يناط بهذا القسم .

يعمل ، بصورة رئيسية ، مع مجموعة سجناء متخصصين بتوفير المياه للسجناء وهو نشط وفعال جداً بهذا الأختصاص. الى جانب ذلك فهو يقضي جل وقته لمتابعة الشعر في المجلات العربية التي تصلنا بالبريد أو بواسطة المواجهات . كذلك اعتاد أن يلصق نفسه بالشعراء الموجودين في السجن من أمثال ألفريد سمعان ، وخالد الخشان ، ومظفر النواب، وهاشم صاحب ، وفائز الزبيدي ، وفيصل السعد، وغيرهم. وقد عرض أولى محاولاته في نظم بعض أبيات الشعر على محمد الجزائري وفاضل ثامر وألفريد سمعان وقد شجعوه. الجدير بالذكر أن عبد القادر يدعي أنه (خريج) الصف الخامس الأبتدائي..! من هنا جاءت تسميته بالعظيم لأنه شاعر فطحل بنظر نفسه لم يدخل السادس الأبتدائي..!

كان عبد القادر ليس فقط من أنصار الشعر الحر بل هو من المولعين جدا بشعر بدر شاكر السياب . نجد عنده أهم المصادر المكتوبة عن بدر وكذلك أهتم بجمع قصاصات الأخبار والتقارير المنشورة عن بدر وعن شعره من الصحف والمجلات التي تدخل الى السجن.

قال له هاشم صاحب: لن تصبح شاعراً إلاّ إذا حفظت ألف بيت من الشعر. فبدأ من اليوم التالي بالحفظ . حفظ خلال فترة قصيرة أغلب شعر بدر شاكر السياب عن ظهر قلب.

كان رأي هاشم صاحب مزحة لأنه يعرف أن قدوري العظيم لا يمكن أن يكون شاعراً بل هو شاب متحمس للشعر فقط. لكن قدوري كان إنسانا آخر . أصر على أن يصير شاعراً ، وأمتلك شجاعة الإدعاء أولاً ومن ثم شجاعة الممارسة ذاتها ، ليلاً ونهارا يجده السجناء مهموماً بحفظ الشعر وتجارب نظمه . ويوم ألقى قصيدته الأولى في أمسية أدبية قبل شهر أو أكثر كان ذلك بمثابة العيد الكبير له ولبعض أصدقائه. . ظل يعتقد بعد تلك الامسية أنه أصبح شاعراً بالفعل وأنه سيكون مثل بدر شاكر في المستقبل.

صدر أول تصريح منه : إن حرية الإنسان في الشعر. لا حرية بدون شعر.

كان يفضي ببعض أفكاره أمام هاشم صاحب. لكنه كان مهووساً بالشعر ، ولا يعرف الأتزان في سلوكه وتصرفاته مما جعله موضع السخرية من قبل البعض.

سألني ذات يوم عن رأيي في شعره، فنصحته أولاً أن يفهم في الشعر معناه وأصوله وقواعده وأن يفهم موازينه. أكدتُ عليه أن خير من يعلّم عروض الشعر وقواعده هو هاشم صاحب .

أنساق بالفعل وراء هذه النصيحة. بذل جهداً وعناءً كبيرين في استيعاب (المحاضرات) الشخصية لهاشم صاحب التي يلقيها أمامه في القيظ الحار أو في نهايات الليالي الباردة.

في ليلة أخرى من الليالي الثقافية في السجن أعلن قدوري العظيم بعد انتهاء الندوة أن قصيدته التي ألقاها كانت مهداة الى روح بدر شاكر السياب. وقد أعتبر أصدقاؤه هذا الإهداء بمثابة استفزاز لمشاعرهم آنذاك. فقد كان السيـّاب قبل سنوات قليلة من موته ، قد نشر سلسلة من المقالات السياسية في جريدة الحرية البغدادية حملت هجوماً عنيفاً على الشيوعيين لم يخلو من أكاذيب . فكيف ينسى السجناء ذلك التشهير وأكثرهم في هذا السجن هم من الشيوعيين. لقد أحدثت كتابات بدر شاكر السياب النثرية إنطباعاً مؤلماً لأولئك الذين ساندوه وساندوا شعره، ووقفوا الى جانب ترشيحه الى مكانة عالمية.

بشكل عام فأن أدباء البصرة الموجودين في سجن النقرة عبروا عن سعادتهم في أن يكون واحداً منهم ومن شعرائهم ، بدر شاكر السياب ، قد أحتل مثل المكانة التي احتلها في الأيام التي أعقبت موته بوسائل الأعلام العربية وحتى العالمية. برغم اختلافهم معه بالرأي.

بعد أيام قليلة من يوم محاولة انتحار قدوري العظيم استعاد صاحبي (س) معنوياته وازداد نشاطه داخل السجن وظل امينا مواظبا على حضور اجتماعات الخلية الحزبية . ثم تضاعفت جهوده الايجابية كلها حين وصلته رسالة من والدته تنبؤه بعودة شقيقته التي تزوجت حبيببها التي اختارته بإرادتها ، كما قال لي . إضطر والدها على احترام ارادة العاشقين .

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس