جاسم المطير
الأثنين 13/10/ 2008
نقرة السلمان
(28)جاسم المطير
دوامة الصراع مع الكتابة القصصية ..!!
استلمتُ رسالة من والدتي ، يوم أمس ، أوضحت لي فيها زيارتها إلى بغداد في نهاية الشهر ، أي بعد أسبوعين . صار واضحاً عندي وعند السجناء الآخرين ، أن حملة المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين تتعاظم داخل بغداد مثلما تتعاظم خارج العراق ، في عواصم دول كبرى ، كموسكو ولندن وباريس وبراغ وبرلين .
عند كتابة جوابي على رسالة الوالدة شجعتها على المشاركة مع " وفد الخالات " إذ لا بد وأن تثمر الفعاليات النسائية ضغطاً على حكومة عبد السلام عارف وعلى الرأي العام العراقي والعربي بقصد أطلاق سراح السجناء العراقيين من مختلف السجون . كانت رسائل عديدة قد وصلتنا قبل يومين من رفاقنا في سجن الحلة وقبلها من سجن الموصل والبصرة أن عائلات سجناء تلك السجون تتحرك بنفس المستوى ، أيضاً . وقد أيقنا ، فعلاً ، بأنه لا يستبعد من الحسبان بأن الضغط الجماهيري المتسع من كل المدن سيجبر الحكومة عاجلاً أم آجلاً على الاستجابة تدريجياً للمطلب العالمي المتواصل بإطلاق سراح السجناء العراقيين .
شباب ونساء وشخصيات وطنية وسياسية وأدبية يتابعون رفع أصواتهم ونداءات ضمائرهم من أجل أن يضمن ، بطريقة متوقعة عاجلاً ، البدء بإطلاق سراحنا ، كما نسمع ، كل ليلة ، أخبار ذلك بصورة متتالية من نشرات الإذاعات الأجنبية التي تنقلها إذاعة صوت الشعب العراقي وهي الناطق باسم الشيوعيين العراقيين في الخارج . ولا بد أن نأخذ بعين الاعتبار ما جرى قبل بضعة أيام بورود برقية من بغداد بإطلاق سراح عدد كبير من السجناء والمعتقلين والمحتجزين تجاوز عددهم المائة في يوم واحد .
يظل أملنا في قلوبنا أن شيئاً ما سيحدث بالرغم من اعتقادنا أن قراراً شاملاً بإطلاق سراحنا جميعاً هو أمر بعيد المنال في الوقت الحاضر .
الشيء المفرح في رسالة والدتي انها استفسرت عن قراءاتي وكتاباتي ( قل لي يا ولدي ماذا تقرأ وماذا تكتب ..) وقد أعجبني وأذهلني هذا السؤال ، أحسستُ معه بعاطفة طبيعية قوية غمرتني وأسعفت فيّ كل الآمال المنفردة بميزة جديدة تحمل صوتاً جديداً عذباً .
استطعتُ فعلاً بهذه العاطفة أن أنتزع من نفسي ذلك الضغط المكتسب من شهور العذاب السابقة التي عشتها في مقرات " الحرس القومي " المظلمة قبل المجيء الى سجن السلمان المليء بالشمس والكتب والجدل الثقافي والسياسي المتواصل . وها أنذا أقطع النظر باتجاهات جديدة هي في الحقيقة تعبير عن رغبات شخصية قديمة . أعني بذلك رغبات ممارسة الكتابة ، فالوقوف ، هنا ، في حالة جمود تشبه وقوف صنم ٍ صامت بين جمع من أصحاب المقامات الأدبية الرفيعة .
خلال السنوات الماضية ، أيام العمل الشيوعي السري ، حاولت تحقيق بعض طموحاتي في الكتابة . ففي بداية الخمسينات كتبتُ بعض المقالات والخواطر القصصية في الصحف ، بعيداً عن حب الشهرة . حتى أنني كتبت الكثير الذي لا يحمل أسمي أو أنه يحمل أسماً مستعاراً من مثل : فتى الجنوب ( مقالة عن إضراب عمال الميناء آب 1952 ) نشرتها في جريدة بغدادية كان يصدرها محمد مهدي الجواهري ، وقد تضمنت المقالة مناقشة وتفنيداً لادعاءات حزب الأمة الاشتراكي ( حزب صالح جبر ) عن قيادته الإضراب بينما كان الإضراب تحت قيادة الحزب الشيوعي / اللجنة المحلية في البصرة .
كنتُ أعلم حق العلم أن القصة القصيرة والرواية هما أحب القراءات لدي وقد تعلقت بأمل أن أكون كاتباً لرواية . كنت أجد ان كتابة قصة أو مسرحية هي أحب عندي من كتابة مقالة سياسية من تلك التي كنت اكتبها في الصحف العلنية أو في بعض الأحيان بالصحف الحزبية . كنتُ أشعر أن كتابة الفن القصصي يأتي سهلاً في قلمي وفي تسلسل أفكاري وفي تكثيف تجربتي الوليدة . كنتُ أعتقد أن ممارستي لهذا الفن يمكنها أن تؤكد نشوتي الذهنية وهي القادرة أيضا على تحقيق شهرتي .لكن الوقت المتاح ، في تلك الفترة ، للذات الضيقة هو أقل بكثير من الوقت المخصص من قبل للعمل العام مما فرض عليّ أن أضحي بجل وقتي لإنتاج ما هو غير ذاتي ، أي تفوق عندي العقل الحزبي التنظيمي على العقل الإبداعي .
كانت مادة الكتابة متوفرة أمامي بغزارة . كما أن جميع أسباب الارتقاء بالإبداع الذاتي تحت تصرفي . فكل نشاطاتي اليومية ( بما فيها النشاطات الحزبية التنظيمية ) يمكنني استخدامها كأساس في روايات أو في قصص . فقد كان يمكن لنماذج ( الناس ) الذين صادفتهم طوال تلك النشاطات أن يكونوا أبطالاً متحركين داخل إطار قصص وروايات خاصة من أولئك الناس الذين يعيشون داخل أكواخ . حياتها قاسية وخشنة ، يرتدون ملابس خشنة ، يواجهون متاعب خشنة ، كل يوم . عشتُ فترات طويلة بين هؤلاء في أكواخهم ( المصنوعة من القصب والبردي ) أو في بيوتهم الطينية . كان كل حديث مع هؤلاء الناس عن الحب والعمل ، والسلوى ، والفقر ، والسعادة ، والحسد ، والحياء ، والازدراء ، والاعتداء ، واللباقة ، والاعتداد بالنفس ، يمكن أن تكون مادة لقصة أو رواية .
نشأت في وسط يرمقني دائماً بتقدير عام ومحبة واضحة . كان لهذا دوراً كبيراً لإجادتي الغور في حياة هؤلاء الذين كنت أبادلهم التقدير . استقرت حياتهم في ذهني . بل اعتبرت نفسي واحداً من فقراء البصرة فصارت بيني وبين فقراء المدينة والريف واجبات صداقة وحقوق عقلية مشتركة . كنت ليناً في العيش بينهم والانسجام معهم وكسب ودهم .
ساعدتني أضواء المعرفة بأحوالهم وبعاداتهم وبآمالهم على تقدم موهبتي لكسب ثقتهم . حتى أنني خلال تعرضي لأخطار مطاردات الشرطة السرية لا أفكر إلا باللجوء الى أحياء الفقراء وأكواخهم ، فأنها أفضل الأماكن للاختفاء وأكثرها أماناً هي البحث عن مقام لي في داخل كوخ من أكواخ الأصدقاء أو من رفاق الحزب الشيوعي في منطقة البصرة أو ( خمسة ميل ) أو ( الجبيلة ) أو ( نهير الليل ) أو في منطقة ( المفتية ) ..
أتذكر ، الآن ، قصة اختفائنا ، أنا وحمدي أيوب العاني . وهو الشيوعي النشيط في بداية الخمسينات حيث تعرفت عليه بعد هروبه من سجن بغداد فاختفى في البصرة . صار مسؤولاً عن التنظيمات الطلابية والعمالية وانعقدت بيني وبينه أواصر مودة وصداقة استمرت الى زمان طويل .. حتى في سجن النقرة عادت علاقتنا قوية . ربما أنا الوحيد الذي أملك علاقة معه في هذا السجن حيث يعاني من عزلة قاتلة .
كان حمدي أيوب معروف بذاكرته القوية لدى الرفاق القدامى الموجودين في السجن ، وبالفعل فقد فاز الأول على قاووشه في سباق اختبار الذاكرة ، بينما فزت أنا على قاووشي .
في السباق الأخير ، بعد تصفيات القواويش ، تواجهنا في القاووش رقم (5) أمام مجموعة من السجناء .
كان أصحابي من البصريين على ثقة بفوزي الأكيد نظراً لما يعرفونه عن قوة ذاكرتي .
كان حكام المباراة ثلاثة هم سامي أحمد ( أبو وميض ) ، ونصيف الحجاج ، وسامي أحمد ( الكويتي الأصل ) .
وقد تم إعلان فوزي في المباراة . إذ فشل حمدي في تذكر ( كلمة السر ) بأول موعد لقاء لي عام 1954 مع سلام عادل وزوجته ثمينة يوسف في منطقة العزيزية بالعشار .
كنا ، في تلك الأيام من عام 1954 ، نحضر لقيام الجبهة الوطنية في لواء البصرة ، وقد نجحت المساعي في أقناع الحزبين الوطني الديمقراطي والاستقلال بضرورة عقد اجتماع في مكتب أحد المحامين بمنطقة العزيزية خلف عمارة النقيب . تم الاتفاق بيني وبين جعفر البدر ( رئيس فرع الحزب الوطني الديمقراطي ) ومع المحامي محمد أمين الرحماني ( رئيس حزب الاستقلال ) في البصرة على عقد الاجتماع مع سلام عادل .
كان موعد الاجتماع في تمام السادسة . وهذا ما حزره حمدي أيوب وتذكره خلال سباق ( أختبر ذكائك ) ...
وكان موعد لقائي بسلام عادل والرفيقة التي كانت معه ، في السادسة إلاّ عشرة دقائق ..وهذا الموعد تذكره حمدي أيضاً ..
كان سلام عادل يرتدي بدلة كحلي وقميصاً أبيض . هذا ما تذكره حمدي .
كذلك تذكر أن الرفيقة ترتدي العباءة والبوشية ..
لكنه لم يتذكر كلمة السر التي يقولها لي سلام عادل وأنا أقف بانتظاره أمام بناية مديرية المعارف في لواء البصرة .
لقد نساها حمدي بينما هو الذي أبلغني بها :
يسألني سلام عادل : أين عمارة النقيب ..؟
وأجيبه أنا : قرب حمزة أبو الباجة .
بالفعل تم اللقاء بالوقت المحدد ( كنت اعرف سلام عادل ويعرفني إذ سبق أن تعارفنا خلال اضراب عمال النفط ) وبعد التحية والسلام معه ومع المرأة أم البوشية ذهبنا معاً الى مكان اجتماع لجنة الجبهة الوطنية في البصرة وقد انعقدت أول جلسة للجبهة الوطنية بحضور ومشاركة :
جعفر البدر .. ممثل الحزب الوطني الديمقراطي ..
محمد أمين الرحماني .. حزب الاستقلال ..
محمد جبار ( سلام عادل ) ممثل الحزب الشيوعي .
فاطمة محمد ( ثمينة يوسف ) ممثلة رابطة المرأة .
سالم حسن ( حمدي أيوب ) ممثل الشبيبة الديمقراطية .
عبد الله فاضل ( رأسمالي صاحب أول معمل ألبان أوتوماتيكي في البصرة ) ممثل المستقلين .
جاسم المطير ممثل طلبة البصرة .
كان اجتماعا هام بوقته حيث كانت الجبهة الوطنية قد قررت خوض الانتخابات النيابية وضرورة مناقشة خطة الاستعداد لتلك المرحلة .
أما بعد مرور 11 عاماً من تلك الفترة ومن ذلك اللقاء فقد حصلتُ على الجائزة الأولى في سباق ( أختبر ذاكرتك ) التي كانت من المسابقات الصعبة ففيها الكثير من تواريخ الأحداث التي مرت بالعراق تحتاج الى دقة الأجوبة لضمان الفوز فيها .
أعود ، الآن ، الى قصة اختفائنا ، أنا وحمدي العاني ، في صريفة بمنطقة المعقل . كانت ملابسنا تدل ، بوضوح ، على أننا من غير أبناء المنطقة . كذلك أن هيئتنا العامة لا تشير الى أننا من الكادحين . خاصة أن حمدي كان يحب الأناقة في الملبس وفي المظهر العام ، وهو مغرم بتلميع حذائه دائماً . كما أنه يحب النظافة الى حد كبير .
كيف علينا أن نتصرف في مثل هذه البيئة التي اختفينا فيها اضطرارا بعد مداهمة البيت الذي كنا نسكنه (مقر حزبي) في محلة الصبخة بالبصرة بعد طلوع الفجر بقليل .
أحسسنا أن نظرات ( شكوكية ) من قبل سكان المنطقة تلح بتدقيق وجوهنا وملابسنا كلما مررنا من أمام أحد رجال المنطقة أو أمام نسائها . نحن ، أيضا، نحس بالشك والريبة بكل من يصادفنا برواحنا ومجيئنا .
في الليلة الثالثة وصلنا خبر مداهمة بيتنا في العشار وأن والدتي منعت الشرطة من دخول الدار وهي تصرخ محتجة لكنهم دخلوا عنوة وفتشوا غرفتنا الوحيدة وقلبوا كل شيء ، لكنهم ما وجدوا شيئاً . وقد أعلمنا الرفيق محمد صيهود صاحب الصريفة التي نسكنها أن عدداً من ( وجهاء ) هذه المنطقة يودون زيارتنا والتعرف علينا باعتبارنا من أولاد عمومة ( محمد ) قدمنا من العمارة لزيارته . ارتبكنا في الحال واعتقدنا أننا وقعنا في كمين ، فليس بوسعنا مغادرة الصريفة في تلك الساعة التي كان المطر فيها يهطل بغزارة في منطقة ترابية حول الطرقات ، كما هي العادة ، الى وحول .
لكن الرفيق محمد أدخل الطمأنينة الى قلوبنا عند تأكيده : ( لا تخافوا .. أنكم في أمان تام وان الرجال الموجودين هنا يعرفون أنكم هاربون من الشرطة ، بل يعرفون أنكم من الشيوعيين الهاربين . .) وختم كلامه وهو يبتسم : ( إنكم بين أبناء عشائر لن يكون لكم منهم أي سوء .. )
نظر حمدي نحوي بشيء من الارتياح بعد أن كنا قد هيأنا أنفسنا لمغادرة المكان والمنطقة كلها . ثم وجه الى محمد سؤالاً :
ــ هل سيأتي المختار معهم .
ـ كلا .. المختار مسافر وهو في الحقيقة عمي وهو من الذين يحبون الشيوعيين .
بعد قليل جاء ( وفد ) الصرائف . كان الوفد يتكون من رجل وقور مع شابين عرفنا أحدهم بأنه نائب عريف في معسكر محمد القاسم ..
حيانا جميع أعضاء الوفد بحرارة .. وصاروا يكررون التحية لمرات عديدة . ثم عرضوا استعدادهم التام لمعاونتنا في السفر الى بغداد أو السفر الى إيران أو إلى الكويت .وإذا أردنا السفر الى أي مكان فهم على استعداد لمصاحبتنا . أما إذا قررنا البقاء في المنطقة فأنهم يحموننا بشرط الانتقال الى بيت آخر ( صريفة أخرى ) تسكنها عائلة وأطفال حتى لا نثير انتباه أحد ، ولو أن ( الحاج زبون ) أكد أن المنطقة تخلو من عيون الحكومة وأنهم جميعاً أبناء عشيرة واحدة ليس فيها أي غريب .
كانت الاعتقالات متواصلة فقد ألقي القبض على عضو اللجنة المحلية رجاء عبد الرزاق ، وتواصلت الاعتقالات في الخط الطلابي الذي أنا أحد مسئوليه ، كما تواصلت الاعتقالات والاعترافات بالخط العمالي الذي كان حمدي أيوب العاني أحد مسئوليه .
قال أحد أعضاء الوفد : لا تخافوا فمكانكم أمين بيننا . لن يصل الى هنا أي شرطي ولا سيارة شرطة .. سنحرقهم بالنار ..
انتقلنا الى صريفة أحد أعضاء "الوفد " . كانت مرتبة وجميلة ونظيفة وواسعة . صاحبنا كان رفيقاً عمل كل ما في وسعه خلال الأسبوع الذي قضيناه بضيافتنا ليريحنا وليوفر إمكانات الاتصال مع رفاقنا في اللجنة المحلية .
كل ليلة من تلك الليالي كنا نتجمع حول نار الموقد للتواصل في أحاديث متنوعة . لم يسألنا أحد منهم عن أصلنا أو فصلنا أو عن ديننا أو مذهبنا . بل كانوا مسرورين جداً منذ اللحظة الأولى بعد أن عرفوا أنني وصاحبي عضوان في الحزب الشيوعي . كانوا يسمون حمدي بالبغدادي وظنوا ، من شكله وملابسه ، أنه نصراني وليس مسلماً .!!
كانت هويتنا أمامهم هي أننا مناوئين للإقطاع وللحكومة الظالمة التي تساند الإقطاعيين .
هؤلاء الناس من سكان الصرائف ، جميعاً ، من ضحايا الاضطهاد هاربين من الاقطاع والحكومة ، فقد كانوا جميعاً من النازحين من أرياف الناصرية والعمارة . وهم لذلك يعتقدون أننا خلقنا للدفاع عنهم وعن حقوقها أولاً وقبل أي شيء آخر .
لم تنقطع عنا الفاكهة ولا الطمامة والخضار . لم ينقطع عنا الشاي بالكتلي الكبير والخبز الحار . يزودوننا بكل ما يخطر على بالهم أكثر من مرة واحدة باليوم .
لم نفهم حقيقة العرض المقدم من قبلهم بحمايتنا وباستعدادهم لتسفيرنا الى خارج البلد . بل كان هذا العرض أكبر بكثير من فهمنا الاجتماعي ، وأكبر بكثير من وعينا السياسي لحقيقة القوى الاجتماعية . لذلك لم نحرر أنفسنا ولم نحرر هذا العرض النبيل من شكوكنا حوله . فما أن طر الفجر حتى غادرنا المكان مسرعين حذرين .. بل أدركتُ في حينه أننا كنا فزعين ..ممن ..؟ من أبناء شعبنا الذين كانوا يجدون فينا وفي المناضلين جميعاً رموزاً لرجولتهم .
تركنا لهم رسالة اعتذار أوصلها لهم رفيقنا محمد .
هكذا ذهبنا الى مكان آخر في مدينة البصرة بالقرب من ريف منطقة ( أبو الخصيب ) مختبئين هناك عاجزين عن فهم مواقف جميع أصحاب الرسالات الصغيرة في هذه الحياة من أمثال محمد صيهود وصحبه .
هذا هو أحد أسباب عدم اكتمال تجربتنا .
ففي حساباتنا غير الدقيقة في أيام الأزمات أننا وحدنا الوطنيون وباقي الناس كنا ننظر أليهم بعين الريبة بحجة (الحذر من العدو ..) ..
التقيت بأحدهم بعد حوالي ستة أشهر فكان عناقاً أخوياً دل على اشتياق صادق .. شكرني كثيراً على كلمات الرسالة التي تركناها ليلة مغادرتنا وهو لا يريد أن ينساها ، كما قال .
مرة أخرى سألني إن كان بحاجة الى مساعدة فأجبته بالإيجاب .
في اليوم التالي ذهبنا معاً الى خرم شهر وعبادان ثم عدنا بعد 36 ساعة ومعنا اثنان من مناضلي حزب تودة ..
كانت لقاءاتي الشخصية تتم بأفضلية صريفة الحارس الليلي ( ياسين ) . عند هذا الإنسان تأصلت أمانة الحفاظ على أملاك الناس وحاجاتهم . وكانت بعض كتبي المهمة هي من ( الآثار ) التي يجب الحفاظ عليها كما قالت في مرة من المرات ( نظيمة وهبي ) المضطرة للعيش قسراً في مدينة البصرة . كنت أزودها ، بين الحين والآخر ، ببعض الكتب أنقلها على الدراجة من بيت الحارس ياسين الى بيت تسكنه نظيمة قرب باب الزبير . حالما أطرق باب دارها في الموعد المحدد تقول لأصحاب الدار : الطرقات ليست من قوى الشرطة .. أنها طرقات قوى العقل ..
كانت تسمي الكتب ( قوى العقل ) ..
أما النشرات الموكول إيصالها إليها بواسطة حمدي أيوب فأنها تسميها ( محرك العقل ) ..
وكنا معجبين بتسمياتها الكثيرة للأشياء بغير مسمياتها .
في يوم من الأيام تعرضت بعض الكتب الحزبية والممنوعة للخطر حين علمنا بنية مداهمة الشرطة ( اخبرنا وحذرنا حاكم التحقيق الرفيق الشيوعي حميد محمد سعيد الحكيم ) عندما صدر أمر بتحري دار أنور البصري وكانت موضوعة في غرفة صغيرة في الطابق الأعلى مرتبة على شكل سرير وضعوا عليها فراشاً فصارت مناماً لشقيقه الأصغر . تعهد الحارس ياسين بنقل سريع لكل الكتب وعلى وجبات وفي وضح النهار ، رافضاً بإصرار قبول اقتراحي بتأجيل النقل الى ما بعد حلول الظلام الى صريفة مجاورة لمسكنهم أستأجرها بمبلغ دينار ونصف شهرياً لحفظها فيها . بعد ساعتين من نقل الكتب جاءت ( الحكومة ) أي الشرطة فلم تعثر على شيء .
كنا أنا وطه ياسين ( أبن الحارس ) وحمدي أيوب وشاكر محمود وأنور البصري نستمتع كثيراً بأحاديث ( الحارس ياسين ) . يسمي نفسه حارس الكتب الشيوعية كلما طلبنا منه تزويدنا بمجموعة منها من الصريفة التي يحتفظ لوحده بمفاتيحها . كان يحرسها وهو يعرف أن هذه ( المحروسة ) قد تقوده الى السجن .
يسمي المكتبة ( المحروسة ) وظلت هذه التسمية على لسانه حتى بعد قيام ثورة 14 تموز . عندما سألني حمدي أيوب ، في أول لقائنا بسجن النكَرة ، عن أبو محروسة لم أتذكر ماذا كان يقصد بذلك الى أن تذكرت ان المقصود هو ياسين الحارس .
كنا نسميه ( الثرثار ) فهو إذا تحدث عن شيء يبتعد كثيراً عن هذا الشيء بعد أن يلفظ عنه كلمتين فقط فيتشعب في حديثه من ( المتن ) الى ( تفاصيل ) كثيرة لا يرحمنا بسكوته إلاّ بعد ساعتين متواصلتين . تفاصيل أحاديثه كثيرة يكررها في كل مرة في تعميمات الدين والسياسة والعلوم وأمور وتجارب ( الحراسة ) أيضاً . المهم بنظره أن يتحدث كما يشاء لكن بلا إلحاق أي ضرر بأحد . وقد دأبت زوجته الشجاعة ( أم طه ) على منحه الفرصة الضرورية لتأييد أحاديثه وأفكاره وهي بالطبع أكثر فهماً منه في أمور المنشورات الحزبية التي كانت على اختصاص بنقلها الى منظمة الزبير ومنظمة أبي الخصيب والفاو .
كان شاكر محمود يسمي أبو طه بأنه كونفيشيوس بينما يدعو أم طه بأسم كروبسكايا . كان شاكر في تلك الفترة كثير النكات ، حتى أن سهراتنا من دونه لم تكن ممتعة ، وحين دخل الى سجن بعقوبة عام 1956 افتقدنا نكاته التي صرنا نكررها . خاصة عندما حاول أن ينظم ( دورة تعليمية لمدة شهر كامل ..!!) لتعليم أم طه كيفية نطق كلمة كونفيشيوس ، ولتعليم أبو طه كيف يلفظ كلمة كروبسكايا ..
كروبسكايا .. تحول لفظه الى : كرب التكية ..
ومرة أخرى كرب السكَية ..
أما كونفوشيوس فلم تلفظها أم طه في مرة إلاّ وتطق بطون السامعين من الضحك خاصة إذا ما أضاف شاكر محمود وأنور البصري من تعليقاتهما اللاذعة والفكهة عليها .
أسعدني الحظ ، يوماً ما ، فاتقدت بذهني فكرة كتابة قصة قصيرة عن حارس ليلي كان أبو طه كونفيشيوس قد حدثني عن مصيبة وقعت لصديقه الحارس أيضاً .. وقد أبصرت القصة النور في داخل صريفته بالذات . حين قرأتها له هز رأسه بعد أن دمعت عيناه فأكد لي أنه فهم الحكمة العميقة التي حملتها القصة ، كما أخبرني أنني لم أكن موفقاً فيها تمام التوفيق لأن القصة كانت قصيرة ولم يكن ( قهرها ) بحجم ٍ كاف ٍ حسب رأيه .
سخر منه أبنه الرفيق طه واصفاً إياه بالناقد الخبير .
لكنني مع ذلك راعيت ملاحظاته التي أدهشتني رغم بساطتها وسذاجتها .
من تلك الجلسة تمالكتُ تدفق قلمي وأوقفته عن تقديم صور مجتمعنا ، بمحاسنه ومساوئه ، الى حين امتلاكي ناصية القصة والرواية .
بعد ذلك اليوم ظلت رغبتي في الشهرة ككاتب صحفي وقصصي في جرائد البصرة بعيدة المنال وانصرفتُ عنها حتى اليوم . تخليتُ عنها لأن نظام الحياة اليومية ونوعها التي أحياها بحكم ضرورة احتراف العمل الحزبي والاختفاء في المقرات الحزبية السرية بعيداً عن أنظار الشرطة جعلني غير قادر على إيجاد كلام خاص أو أفكار خاصة في كتاباتي وأحاديثي بينما أفتقر الى مسكن مستقر أو الى مكتبة مستقرة . لا نظام عندي لارتباطات عاطفية أو صداقية بل كنتُ أعيش حالة كبت الشهوات الذاتية الى أقصى حد .
بهذه الصورة كنت أنا وجميع الشيوعيين الآخرين الذين يسكنون البيوت الحزبية ( المقرات السرية ) نفكر بعمق أن قبلتنا الروحية هي الحزب الشيوعي . هو صلاتنا اليومية . هو غزلنا وغرامنا .. هو تكويننا الذهني والإنساني . كان الكثير من قادة الحزب يتحمسون في بسط العزلة على الرفاق العائشين في السراديب البعيدة عن الناس والحياة . كانت حماستهم الماركسية هي الحماسة المتخصصة بالقراءة والتعلم والانطواء ، وكثيراً ما شعرتُ أن هذه الحماسة قد تلحق الأذى بالصفوة المثقفة من الحزبيين الذين كانت تحفزهم أو تراودهم أحلام الشهرة والنشر واتساع النفوذ ..
فكرت ، ذات يوم ، بكتابة رواية بطلها محامي من أهالي البصرة له طموح الوصول الى المجلس النيابي خلال انتخابات عام 1954 وقد أنجزت استهلال الرواية بثلاثين صفحة لكن أحدهم ( عضو لجنة منطقية ) أحبط فكرتي ومحاولتي لأن الرواية بنظره ليست غير سفاسف ليس بإمكانها ان تحولني الى مكسيم غوركي جديد لا تنجب الحياة غيره ..! مختصراً قوله التوجيهي الصارم : الحزبي واجبه خدمة الحزب ..!
أعاد لي الصفحات الثلاثين من دون أن يقرأ غير صفحة أو صفحتين .
لم أجد الوقت الكافي لأسرقه من وقت الحزب كي أواصل الكتابة بسبب انغماري كلياً بالعمل الحزبي السري وبالنشاط الطلابي وقيادة الإضرابات الطلابية والمساهمة في الإضرابات العمالية . تتحرك ساعات يومي في حياة تبدأ من الفجر بحياة شديدة قاسية ممتدة حتى آخر الليل ، همها الأول والأخير تمجيد إنسان الأيديولوجيا والحزب حتى ولو أدى ذلك الى مصادرة حريته .
حين عرضت الصفحات الأولى من الرواية على احد الأصدقاء وهو الشاعر عبد الحسين الشهباز أكد لي أنه قرأ كلاماً في استهلال الرواية أعجبه جداً مادحاً إياه بأنه كلام موهوب ما قرأ ولا سمع مثله من عراقي من قبل . شجعني على ضرورة إكمال ما بدأت به .
اعتقدت في حينه انه يبالغ في امتداح كفاءتي لوجود علاقتين بيننا : الأولى أنني صديقه القريب . الثانية أنني مسئوله الحزبي .
أما مسئولي الحزبي فقد طلب مني تأجيل الكتابة الى وقت آخر أو تركها نهائياً ( يا معود .. شنو رواية .. أكتب بالأشياء المهمة واترك الرواية لجون شتاينبك ..!!) .. وقد أطعتُ مسئولي ولم أنجز الرواية حتى اليوم .
يا لخطأ التقدير . كنتُ أعتقد أن كلام ( الرفيق الذي كنت أنا مسئوله الحزبي ) هو مجرد كلام مجاملة من كادر المرتبة الحزبية الأدنى الى كادر المرتبة الحزبية الأعلى .
بنفس الوقت اعتقدت ان كلام الكادر مسئولي الحزبي هو كلام الطاعة الحزبية والالتزام به أولى وظائف الالتزام الأيديولوجي والانضباط الضروري .
بموجب هذه الأخلاقية تركت كتابة الرواية ، بل مزقت الصفحات الثلاثين وأتلفتها خوفاً من وقوعها بيد الشرطة أثناء أي تحر ٍ محتمل ..
بعد هذه السنين اشعر بخسارة أدبية عصيبة . فها هو اليوم سامي أحمد كادر التنظيم السجني يبلغني بمهمة جديدة في سجن السلمان ، هي مهمة قراءة مئات القصص الحقيقية التي جرت في مراكز تعذيب المعتقلين من قبل الفاشيين أعضاء الحرس القومي بقصد كتابة تقارير وقصص وروايات عن ضحايا التعذيب ..
يا له من تغير : الحزب يريد قصصاً هذه المرة .
وجدت نفسي ، إذن ، في صحوة فجائية تدفعني نحو الكتابة القصصية والروائية ، ووجدتُ رغبتي متاحة ، الآن ، في المواءمة بين رغبتي السابقة وواجبي الحزبي الحالي وأنا في صحراء نكَرة السلمان بعد عشر سنوات من تمزيق أولى محاولاتي في الكتابة الروائية ..
حين أبلغتُ بالأمر الحزبي الجديد كان زهير الدجيلي يجلس بجانبي ، في لجنة واحدة ، فهو مكلف مثلي بنفس المهمة .. قراءة قصص وكتابة قصص ..
يتبع
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)