جاسم المطير
الأربعاء 15/10/ 2008
نقرة السلمان
(29)جاسم المطير
صفحة مشرقة منقولة من خارج السجن إلى داخله ..
أشرق اليوم علي بكثير من الضوء والسعادة :
ـ رسالة من والدتي .
ـ رسالة من زوجتي .
ـ رسالة من أبن عمتي من الكويت وبعض هداياه المالية والعينية .
ـ رسالة من هشام باقر الذي يدرس في جيكوسلوفاكيا .. تحيات ودعوة للصمود إلى الأبد ..
ـ رسالة من خليل الجزائري من موسكو .. تحيات وعواطف .
ـ رسالة من سلمان النجار ( أبو داود ) من البصرة مع مبلغ ثلاثة دنانير .
قبل ان أفق من سروري جاء خبر جديد يتعلق بأحد أصدقائي القدماء . الخبر يقول بإطلاق سراح (زاهر محمد نجم)المحتجز في النقرة . كان سروري قد تعاظم خاصة بعد أن استرجعنا ذكرياتنا القديمة في البصرة ، ليلة توديعه .
تمتد صداقتي معه إلى أواخر الأربعينات حيث كنا نتحدث عن عملاق كبير يسيطر على البصرة اسمه ( شركة نفط البصرة ) . أول مرة سمعت عن هذه الشركة وأعمالها وأموالها وسيطرتها على الدوائر الرسمية العراقية كلها ، كانت من أحاديث زاهر المنقولة عن أبيه المقاول لدى الشركة . لأول مرة سمعت ، حينذاك ، بمصطلح ( دولة داخل دولة ) للتعبير عن مدى نفوذ شركات النفط داخل الدولة العراقية .
في السوق ، والمدرسة ، والنادي الرياضي ، كنا نرى ونسمع الكثير عن قدرة البي بي سي ( بصرة بتروليوم كومبني ) على التدخل في حياة سكان اللواء ، وحياتهم المادية على وجه الخصوص . كانت الشركة مجمعاً خاصاً للتدخل والمناورة وإثارة النعرات الطائفية ونشر المفاهيم المادية الغريبة عن عادات وثقافة أهل البصرة التي يتحادث بها أفرادها وموظفوها من الأجانب المهتمين ببناء علاقات موصوفة ومعينة مع وجهاء البصرة وملاكيها ورجال الاحزاب فيها . كان كل أثر للشركة ، في أي مكان ، هو طالع شؤم في لواء البصرة .
قفزة واحدة من الفقر إلى الغنى ، كان بإمكان الشركة أن تصنعها مع أي كان من المتطلعين إلى المال من بعض البصراويين على حساب كرامتهم وكرامة شعبهم . بأمكان محمد نجم وهو عامل مختص بنصب المواد الصحية معروف بمهارته في نصب أنابيب المياه المنزلية ومجاريها ، أن يتحول ، بإشارة معينة من ( أحدهم ) من رجل حسن النية ، إلى مغفل يتعاظم لديه قطع المسافة الحياتية الطويلة بسرعة مذهلة ليدخل إمارة الذمم المباعة لقاء مال حرام يأتيه من شركة نفط أجنبية تنهب ثروات بلادنا .
فتح محمد نجم ، الرجل الكادح ، عينيه ليجد نفسه داخل الشركة ينفذ لها مخططاتها الأنشائية لنصب أنابيب المياه وأنشاء أنابيب متعددة الأغراض في أحد مجمعات سكن موظفيها من الخبراء والمهندسين الأجانب .
تحقق الحلم فأنجذب هذا النموذج إلى الأريكة النفطية كمقاول يخفق قلبه خفقات شديدة عند استلامه كل صك من صكوك نفط البصرة ، مكافأة له عن هذه المقاولة أو تلك .
لا عجب في الثراء السريع لمحمد نجم . فقد أصبح أسمه وثراؤه شيئاً معتاداً يتردد في أصباح البصرة الرطبة داخل أسواقها ، وفي الأمسيات كان وجوده في المساجد أو الحسينيات ضرورة من ضرورات تزكية نفسه وتطهير سمعته.
رجل أمي يضحك في استسلام أمام سادته الإنكليز ويبكي مجبراً في المجالس الحسينية . بحالتي الضحك والبكاء يريد خداع أناس آخرين يحاولون الاقتراب ، بوساطته ، من نوافذ مدير البي بي سي وهم على استعداد لسحب الستائر من أعلى شبابيكه وغسلها ، وغسل السجاد من تحت قدميه ليكونوا بمستوى ثراء الحاج محمد الذي رسم لنفسه نوراً من الابتذال حتى يُرى في ثياب الدين وقوراً ، وفي محاربة الشيوعية قديراً . وقد غدا حاملاً لأمجاد تروى عن قيادته المواكب الحسينية إلى كربلاء باعتباره رأس المتباهين بخدمة الناس في شهر عاشوراء . من جهة أخرى يتباهى أن الشيوعية الكافرة لن تدخل إلى شركة نفط البصرة طالما هو على قيد حياتها .
المسكين لم يكن يعرف أن أبنه كان من الشيوعيين النشيطين . وكان زاهر نفسه أول من رفع إصبعه احتجاجاً على سلوكه . كان يردد بأسف : صار أبي منهم .. يريدون دفعه لتخريب الحركة العمالية النقابية في شركة نفط البصرة .
تذوق الحاج حلاوة أشياء كثيرة من الشركة . سيارة خاصة تنقله من والى العمل .. ملابس ومواد غذائية أجنبية .. أمر من الشركة لتقوم معداتها بتبليط الشارع الموصل بين بيته والشارع العام .
وصعداً باتجاه الجبروت تزوج شابة جميلة بعمر الزهور فسارع بالابتعاد عن زوجته الأولى ( أم زاهر ) التي كان يردد عنها بأنها ذات رائحة كريهة . أحس زاهر بالخجل بعد زواج أبيه . كانت به رغبة شديدة في أن يطوي صفحات علاقته بأبيه . وراح يردد كلمات من مثل : أريد أن أتبرأ من والدي . لكنني أخشى المستقبل .
يتحدث معي على غير حذر ، لكنه يعتبر أحاديثه عن أبيه كأسرار . أنهم سيئون .. سيئون .. والدي ومعاونوه وعماله سيئون ..
يصيح بحشرجة كلما جاء ذكر والده أمامي وأمام أصدقائه المقربين . يمرر يده على صدره المليء بحرارة أحزانه . كان يكشف بعض أسرار أبيه حين يقول : في كل سنة قبل حلول عاشوراء أسمع جلبة والدي وعماله ينقلون مجاميع الزناجيل ( سلاسل حديد مصنوعة خصيصاً للطم ظهور الناس في أيام عاشوراء تعبيراً عن الحزن الشديد لاستشهاد الحسين بن علي أبن أبي طالب ) تدخل إلى دارنا لتختفي في غرفة خاصة لا يدخلها سوى الحاج وزوجته الشابة ، ولا ترى الزناجيل نوراً إلاّ قبل أيام قليلة من حلول الأول من شهر محرم الحرام كي توزع على العديد من المواكب الحسينية .
غمرت زاهر ، يوماً ما ، لحظة ضيق ، عندما كنا متوجهين بزورق بخاري صغير ، بسفرة نهرية ، إلى بستان جميل من بساتين نهر جاسم . كان عددنا خمسة هم أعضاء خلية طلابية مفعمة بالحيوية والنشاط الدائمين . ثمة بساتين خضراء تظللها أشجار النخيل . زورقنا يتهادى كالغزال على مياه شط العرب الهادئة . البواخر الأجنبية تأتي حاملة البضائع المستوردة وتروح حاملة التمر والحنطة والشعير وعرق السوس وغيرها إلى الأسواق الأجنبية . كل حركة في الشط تخدم مصالح الاحتكارات الأجنبية .
جلسنا على ضفة الشط تحت الشمس الدافئة . كان الاجتماع مكرساً كله لدراسة بعض جوانب تاريخ البلشفية والمنشفية من التاريخ الشيوعي السوفياتي . لم يكن زاهر طبيعياً كما في كل مرة ، تحت إلحاح الجميع قال : أنا مشغول التفكير منذ يوم أمس ، فقد تلصصتُ على أحاديث والدي مع عماله يوم أمس وعرفت أن شيئاً ما خطيراً سيحدث وأن والدي نفسه مكلف بشيء خطير أيضاً هو وعماله ولا أدري ما هو .
كنتُ ما أزال أعمل في دائرة كهرباء وماء البصرة . كل شيء يمشي بهدوء كما في كل يوم . أحس باحترام العمال لي أثناء دوامي الصباحي ، وباحترام العاملين في جريدة الناس التي اشتغل بها مصححاً ، وباحترام الطلاب أثناء دوامي المسائي في ثانوية جمعية المعلمين المسائية . كل هذا يمنحني شيئاً من الاعتزاز والكبرياء الرقيقة . كنتُ أمنح نفسي خيالاً لتفسير موقف زاهر من والده ، وفق قواعد لعبة الأحمر الواحد مع أثنين أسود في ورق اللعب (الكوتشينة ) ، وكنت أصل إلى التعريف الواقعي : أن محمد نجم أوقع نفسه في لجة الإثراء المادي دون إعارة اهتمام لما يسمع أو لما يمكن أن يسمعه من نعوت وصفات من الناس الآخرين .
من واجباتي في الدائرة أن أذهب مرة واحدة في نهاية كل شهر بصحبة نمرود الآثوري الذي يعمل في صيانة كهرباء بيوت موظفي شركة نفط البصرة من الموظفين والعمال الإنكليز ، لقراءة مقاييس الماء والكهرباء في مقرات الشركة وبيوت موظفيها . يصحبنا في السيارة نفسها السائق الآثوري ناصر حنا . كان نمرود في الخامسة والخمسين بينما ناصر حنا في الثلاثين . تعمقت العلاقة بيننا نحن الثلاثة .. نفطر ونتغدى ونشرب البيرة معاً في اليوم المحدد من كل شهر حيث نقوم بواجب مشترك .
ناصر حنا يختلف في رؤيته للشركة عن رؤية نمرود رغم أن أحدهما قريب للآخر . ناصر يسمي شركة نفط البصرة بالحكومة السوداء المسيطرة على الحكومة البيضاء . بينما يرفض نمرود قبول هذه التسمية ويعتقد بكل قناعة انه لولا الإنكليز لما قام بلد اسمه العراق ، ولما وجدنا الميناء والكهرباء والسكك الحديد والمدارس وتبليط الشوارع ، وهو بالتالي يعتقد أن شركة نفط البصرة وشقيقتها الكبرى شركة نفط العراق هما اللتان تملأن خزينة العراق بالأموال . كان يكرر أقواله بحماس : انظروا إلى مدينتنا الجميلة وانظروا ما فعلته البي بي سي .. تبني بيوت العمال .. تتبرع للجمعيات الخيرية ..تمنح العمال والموظفين أثاثاً فاخراً .. تمنح للعمال كل ما يحتاجونه وتأخذ حقوقها منهم باقساط شهرية ..
يتحمس في حديثه كلما سمع مني وصفاً للشركة بأنها شركة احتكارية تنهب ثروة شعبنا . أو إذا سمع من ناصر حنا كلاماً ينتقد تصرفات بعض موظفيها .
كان نمرود من جنود ( الليفي ) خدم في معسكرات الجيش البريطاني في الحبانية ومن ثم نقل إلى الشعيبة . حتى حياة الليفي كان يعتبرها ضلعاً في تقدم حياته وحياة عائلته وحياة الليفيين كلهم . بينما ناصر حنا كان يهاجم الوجود العسكري البريطاني وخدامهم الليفيين بمن فيه والده العامل في بار أور بمنطقة العزيزية بعد تسريحه من الليفي . ثم شتم وسطاء الشركة ونشطائها وعملائها . وفاجأني بتوجيه الشتيمة الأخيرة إلى شيطان اسمه محمد نجم . طفيلي يعمل على تغذية بذور الطائفية بين آهل البصرة البسطاء .. يوزع الكتب الطائفية على سكان الصرائف وعلى العمال في منشآت الشركة بالزبير والفاو والبصرة ونهير الليل ومصفى النفط في المفتية .
حين نطق ناصر بهذا الكلام لم تأخذني الدهشة إلاّ قليلاً فقد حضرتني في الحال رؤية زاهر لوالده المقنع بألف قناع ، فتوضح لي الآن أنه غير مقنع بل مكشوف حتى أمام الآثوريين . مرت هذه الحقيقة في سمعي كما تمر النكتة الخفيفة . كل شيء معروف عن شيطان الظلمات المنتشرة في دار زاهر .
كان شباط عام 1951 مثلجاً . برد شديد لم تشهد له البصرة مثيلاً من قبل . العشرون من شباط موعدنا ، نحن الثلاثة ، للتنقل بسيارة واحدة لمتابعة القراءة الشهرية لمقاييس الماء والكهرباء الخاصة بشركة نفط البصرة . جهزت فايل أوراقي وجميع القوائم الضرورية في مثل هذه الحالة . في الثامنة صباحاً كنت على استعداد لاستقبال ومصاحبة الصديقين النقيضين (نمرود ) و( حنا ) . حين وقفت السيارة لم يكن فيها غير ناصر وحده .
نزف نمرود دماً كثيراً في الليلة السابقة وهو الآن راقد في المستشفى .
طلعت الكلمات من صدر ناصر بحزن حقيقي . وقد آلمني هذا الخبر .
مضت لحظات وأنا أرقب السائق ناصر حنا . كان متألماً . غشى التعب نظره . تساءل عما إذا كان سيعود إلينا أم لا . حالته خطيرة جداً . وقررنا الذهاب إلى المستشفى بعد انتهاء عملنا .
على مدى الطريق كله بين العشار ومحلة الفيصلية ( الجمهورية في ما بعد ) التي يقع فيها أهم مركز من مراكز شركة النفط يطلقون عليه تسمية ( الماكنة ) وفيه المكتب الرئيسي لمدير عام شركة نفط البصرة ( المستر تيسو وهو الضابط الفرنسي الذي كان على رأس القوات الفرنسية أيام وجودها في الشام ) . ومعروف عنه أنه يتعامل مع العمال والموظفين العراقيين والأجانب بأساليب فاشية ( الضرب والإهانة ) .
استمر ناصر حنا يتحدث عن نمرود وعن علاقة عائلتيهما مع بعضهما منذ سنوات طويلة . كان يتحاشى النظر إلى وجهي ثم فجأة بدأ حملة من السباب والشتيمة على مدير الشركة : يكره العراق والعراقيين .. يكره العمال .. رفض الموافقة على مذكرة العمال المطالبين بزيادة الأجور .
تردد قليلاً ونظر إلى وجهي وهو يهمس : العمال سيضطرون لأعلان الإضراب عن العمل . ربما غداً أو بعد غد . أرجوك لا تخبر أحداً بهذا السر .
قال كلامه بسرعة ثم واصل السير بسرعة أيضاً دون أن يحاول معرفة رد فعلي على أسراره .
بعد عودتي إلى الدائرة التقيت حالاً مع محمد إبراهيم المظفر الشيوعي الذي يرأس قسم الحسابات في دائرة ماء وكهرباء العشار . أعلمته بالأمر الذي عرفته من ناصر حنا .أصغى باهتمام بالغ . توقعت أن يقول : لا صحة للخبر . غير أني لمحت وجهه الصغير يعبر بوضوح عن أن الأمر حقيقة يعرفها هو شخصياً . جاء رده مؤكداً وعليّ أن لا أخبر أحداً ، فإعلان الإضراب أمر في غاية السرية ..
بدأت ساعة الصفر بعد يومين فقط . بدأ الإضراب من عمال الحفريات أولاً . كرم العمال إضرابهم بالإجماع أو بما يشبه الإجماع بأكمل صورة من صور التضامن ..
بدت مدينة البصرة الطيبة مزينة بسحر التأييد الجماهيري الواسع للعمال المضربين ..
كان الإضراب مجرد حلم جميل من أحلام عمال شركة نفط البصرة . استيقظ عمال الزبير ، وعمال الماكنة ، وعمال الفاو ، على معجزة الإضراب فشاركوا بها في اندفاع حتى شمل كل المناطق والأقسام والمديريات التابعة للشركة .
ظلت الصورة الوضاءة تتسع . كنت أسمع الأخبار المتواترة واحداً بعد آخر ، ومن جميع الجهات . لم تكن مطاليب العمال متعالية . كانت تتعلق بحقوق بسيطة مشروعة لزيادة الأجور وإيقاف الطرد الكيفي وحرية التنظيم النقابي ..
وليس بعد هذه المطاليب لا نماذج مطلبية أخرى ترهق الشركة أو ماليتها أو نظامها . لكن الدهشة آخذت جميع سكان البصرة إذ كان رد الفعل الأول هو الرفض الشامل لجميع المطاليب من قبل إدارة الشركة .
وتمشى سؤال غاضب كالهشيم في أسماع البصرة : لماذا ..؟
لقد غاض الرفض ليس عمال النفط حسب ، بل غاض الرفض غالبية عمال البصرة ، وأغلب فئاتها الاجتماعية وفي مقدمتهم الطلبة . بدأنا ، نحن الطلاب ، نستجوب موقف الشركة عن مفاهيم العمل والحقوق العمالية وعن السياسة والأخلاق التي جاء بها قبل عامين أو أكثر قليلاً الإعلان العالمي لحقوق الانسان من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة . لقد أفرغنا كل ما نملك من معلومات وقيم واعتبارات دون ان نعرف حكماً يمكن أن نعلل به موقف الرفض غير القيمة الاستعمارية في معاملة الشعوب الضعيفة .
في الرابع والعشرين من شباط انطلقت شرارة الإضراب الطلابي المساند للعمال من ثانوية البصرة للبنين . في التاسعة صباحاً استيقظ وعي الإضراب في نفوس الطلبة بسرعة . فأنتج مظاهرة واسعة نزلت إلى الشارع الرئيسي أمام باب الثانوية . أول تحول جذري بعد حوادث وثبة كانون الثاني . أول نشيد ثوري في بداية الخمسينات .
خرجت شعارات المظاهرة عن التصور التقليدي . تحول الهتاف من مساندة مطاليب عمال النفط إلى مدى أبعد : المناداة بحياة كريمة لكل أبناء الشعب .. الحرية لكل الشعب .. السقوط لنوري السعيد .. السقوط للاستعمار البريطاني .. السقوط لمعاهدة 1930..
كان منظم المظاهرة العمالية التي انضمت لها مظاهرة الطلاب يفكر بروية ، ويقرر بحسم ، ويتحدث باسم جميع العمال المضربين ، ويقصي عن واقع المظاهرة كل تجاوز من المتظاهرين على الحقوق العامة أو على المصالح العامة . كان مستعداً ، في ذات الوقت ، لصد كل تجاوز يمكن أن يظهر من سلطة الشركة أو من قوات الحكومة أو من شرطتها السيارة .
انتهت المظاهرة بخطابات حماسية في ساحة أم البروم ، ثم في الساحة التي أمام مبنى المتصرفية .
من المعقل جاء خبر يقول : أن طلاب متوسطة المعقل أضربوا بتشجيع من المدرسين .
طلاب متوسطة البصرة أضربوا وتظاهروا لنصف ساعة .
ثانوية البصرة للبنات أعلنت الإضراب .
أعطت شركة نفط البصرة المسكنات والملطفات لخداع العمال والجماهير المؤيدة لهم لكن هذا التمويه لم ينجح فقد رفض الوفد المفاوض كل محاولات التسكين . وصل إلى البصرة من بغداد وزير الشؤون الاجتماعية والعمل ، ماجد مصطفى . أصبحت متصرفية اللواء مقراً لعمليات الشركة ومؤيديها الحكوميين وخاصة وزير العمل ومتصرف اللواء وممثل الشركة ومدير حقولها النفطية .
دخل وفد العمال إلى مقر المتصرفية . بدأت في الساعة الثالثة بعد الظهر المفاوضات بين الطرفين . خلال نصف ساعة انتهى الاجتماع :
وفد العمال أعلن استحالة الوصول إلى حل .
الشركة رفضت الموافقة على زيادة أجور العمال .
الوزير رفض الموافقة على إجازة التنظيم النقابي .
كنتُ أقف داخل مقهى حبش المقابلة لمبنى المتصرفية بينما مئات من العمال والطلاب منتشرون هنا وهناك قريباً من المتصرفية . كان والدي ومحمد إبراهيم المظفر يجلسان بقرب النافذة المطلة على ساحة المتصرفية بانتظار النتائج . من بعيد رأيت صديقي ناصر حنا واقفاً بسيارته بأنتظار الوفد العمالي لينقله إلى مكان آخر . انتابتني عند رؤيته لحظة سرور غامرة .
حال سماعه خبر فشل المفاوضات أصدر محمد إبراهيم المظفر أمره لي بضرورة الذهاب إلى ثانوية جمعية المعلمين المسائية لأعلان الإضراب السلمي وألقاء الخطابات ثم التهيؤ لتطورات اليوم التالي .
كانت الثانوية مهتاجة حين دخلتها . دفعني هذا الاهتياج كما دفع غيري لارتداء درع الشجاعة . وجددت أعلان الإضراب عن الدوام حتى يجاب لمطاليب عمال شركة نفط البصرة . ثم تم تشكيل لجنة خاصة للعلاقات مع العمال لتنسيق النشاطات المشتركة .
كانت هذه لحظة عظيمة في تاريخها ، فقد اصبحت هذه اللجنة محور النشاط الثوري في البصرة تضم أعضاء نشيطين ( كريم نوري ، غني درويش ، فاروق المعراج ، زاهر محمد نجم ) .
عاد وفد المفاوضات الحكومي إلى بغداد بعد أن دخل الإضراب يومه العاشر . لكن أحد أعضاء الوفد الحكومي (عبد الرزاق إبراهيم ) بقي في البصرة ، وقد أسكنته الشركة في دار ضيافتها بعد ان خصصت له سيارة مع سائقها لضمان تنقلاته . كانت صلته مباشرة مع المستر ( هل ) وهو خبير الشئون العمالية في الشركة .
بعد يومين من سفر الوفد طلب عبد الرزاق ابراهيم والمستر ( هل ) لقاء مع وفد العمال المضربين . كان الوقت يمضي سريعاً كأنه يحتضر .
في وسط الهتافات العمالية أعلن الوفد العمالي عدم موافقته على شروط المستر (هل ) . كان العامل حميد غضبان أحد أنشط عناصر الإضراب وأكثرهم حركة وقدرة على تجميع العمال وقيادتهم . مع كل يوم يمر على استمرار الإضراب وتهديد الحكومة كانت تظهر بعض علامات الضعف لدى عدد من العمال . لكن تحركات حميد غضبان واجتماعاته مع العمال كانت تلحق الهزيمة بالعناصر المستأجرة من قبل محمد نجم لنشر أفكار الهزيمة والضعف والرعب بين العمال بقصد ( كسر الإضراب ) .
توسع الإضراب في اليوم التالي :
عمال تصليح السفن في الدوكيارد أعلنوا الإضراب .
نقابة النجارة دعت عمالها إلى الإضراب . كما أضرب عمال كري مكنزي .
حدث تطور جديد أكبر جعل المتصرف يصرخ بوجه مدير الشرطة : البصرة تشتعل . فقد أصغت الفاو إلى نداء العمال المضربين . بدأ عمال شركة النفط في الفاو يتحركون .. يطردون الضعف من نفوسهم .. لم يرتجف قلب أحد عندما جاء صوت العامل كاظم عبد الحسين بواسطة جهاز اللاسلكي الذي يعمل عليه . كان أمر اللاسلكي القادم من الفاو والذاهب اليها : يا عمال الفاو أضربوا .. ساندوا عمال شركة نفط البصرة ..
كان أمراً مطاعاً إذ أعلن العمال إضرابهم على الفور فتوقف في الحال دخول البواخر إلى شط العرب والخروج منه ..
موجة من الفرح الغامر والشجاعة الحقيقية غزت صدور عمال النفط والميناء في الفاو .
موجة من الحزن في صدر مدير فرع الشركة في الفاو المستر (بولمان )..
كان عبد الوهاب طاهر ـ الطالب المطرود من الكلية العسكرية ـ قبل حوالي العام ـ هو الذي يزهو بقيادة الإضراب ..
بدا هذا الشيوعي المفصول مرتبط روحياً بمطالب العمال ، وكان بذات الوقت رئيساً للنادي الرياضي بالفاو .. فصار مسموع الرأي بين عمال المدينة ورياضييها .
رفع العمال لافتات الإضراب فأهتزت أرض الشركة وأنقض المستر ( بولمان ) بغضب شديد على مكتب المتصرف ومدير الشرطة يدعو لضرب العمال المضربين حتى ولو بالرصاص .
في ظلام الليل فقد عبد الوهاب طاهر القدرة على استكمال قيادة العمال . تم اعتقاله وأرسل من الفاو إلى البصرة على الفور . في موقف البصرة وجد بعض رفاقه أيضاً : (ناصر عبود) .. ( بيتر) .. (طلعت لازار) .. و(كيلون)..
أصبح الإضراب في اليوم التالي بلا قيادة . أصبح زفرة يطلقها العمال ..
لا جدوى . لقد بدأ الشر يدب إلى داخل الشركة ..
لا فائدة من الاستمرار بالإضراب .
هذه هي الكلمات التي سادت بين صفوف العمال المضربين بالبصرة والفاو والزبير وفي الحقول النفطية كلها .
نزلت دمعة من عيني أول شرطي بدأ باستخدام الهراوة لضرب العمال بباب الشركة في الفاو .
مع كل ضربة كان يأتي أسم عبد الوهاب طاهر الذي لا أحد من عمال الفاو يدري أين صار مصيره .
ما العمل ..؟
كان الجواب يهرب من الجميع ، ولا أحد يلتمس العون من أحد ..
في العشار ظهر محمد نجم . يلتقي مع العمال هنا وهناك .. يتحرك كالسحاب السريع . يبسط ظله على بعض المتعبين من العمال . يخاطبهم بلغة الضعف : الحياة صعبة .. ربما يطردون المضربين .. اتركوا الإضراب واستعينوا بالله .. لا تتحدوا مدراء الشركة فكلهم غاضبون على العمال .. لا تتحدوا الشرطة فربما يطلقون عليكم الرصاص ..
كان يتحدث مع العمال بلغة الواهن الذي يريد أن يسود الوهن في العالم كله ..
قام بتوزيع بعض علب السيكَاير على العمال في منطقة الجبيلة .. بينما قام أصحابه من العمال المهيئين سلفاً بتوزيع الصمون على المضربين مع كلمات : انهوا الإضراب فذلك من مصلحتنا ..
كان موقف الأحزاب العلنية ضعيفاً ..لا أحد من أعضاء هذه الأحزاب ضيع دقيقة من وقته لنصرة العمال حتى ولو بهتاف أو مظاهرة أو مذكرة تأييد أو احتجاج .
رئيس فرع الحزب الوطني الديمقراطي جعفر البدر تبرع في اليوم الثاني عشر باسم الحزب مبلغ ( عشرة دنانير ) بعد استحصال موافقة زعيم الحزب كامل الجادرجي .
تجمع العمال أمام مبنى المتصرفية كخطوة لتقوية الإضراب الذي يواجه مرحلة الإحباط والفشل بعد ان دخل الميدان محمد نجم وزمرته لكسر الإضراب . ألتحق طلاب ثانوية العشار بمظاهرة اجتمعت مع العمال أمام مبنى المتصرفية ..
لكن الخدعة كانت موقوتة حسب تعليمات حكومة بغداد :
كاسرو الإضراب بين صفوف المجتمعين في ساحة المتصرفية .
الشرطة المسلحة تطوق الساحة .
الشرطة تنصب بعض رشاشاتها السريعة في أعلى المبنى موجهة لصدور الجماهير .
المتصرف يعلن بنفسه أمام الوفد العمالي المفاوض بقيادة الشاب الشيوعي حميد غضبان أنه سيمزق صمت بغداد وسيجبر الوزير والشركة على تلبية مطالب العمال .
في ذات الوقت كانت شرطة ( الشعبة الخاصة ) تعتقل بعض أعضاء لجنة الإضراب وبعض أعضاء لجنة المفاوضة الموجودين داخل المبنى .
كل هذه المواقف المتناقضة رسمت العديد من علامات الاستفهام حول الموقف الرسمي الحقيقي . هل من الممكن ان يكون المتصرف خارج طوع الحكومة والشركة الاحتكارية وهي " الدولة " داخل " الدولة العراقية " ..؟
انتقلت مع هذا الوعي حركة العمال من نقطة إلى أخرى . . من المطالبة بالحقوق العمالية المهدورة إلى المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين ..
كان الأضراب سلمياً ولم يصدر من العمال أي فعل خاطئ . وكان بالمستطاع الاستجابة للمطاليب العمالية بسهولة أو لبعضها على الأقل ، كما قال جعفر البدر رئيس الحزب الوطني الديمقراطي للوفد الجماهيري الذي قابله . وأضاف : لكن الحكومة تتحاشى التراجع ، بكل الأحوال .
انتقلت حركة العمال ، أيضاً ، من المكان الضيق ، إلى المكان الأوسع . صار مصير الأضراب في اليوم الثالث عشر في أعناق الجماهير البصرية . أخذت الجماهير نوعاً من التفويض الضمني ومنحتها بعض وجوه البصرة من قادة الأحزاب والمنظمات ومن رجال القانون وحتى بعض التجار المتنفذين داخل السلطات الأدارية في شركة نفط البصرة . فكان أن رفعت عدة مذكرات إلى المتصرف والى مدير الشركة للمطالبة باطلاق سراح المعتقلين وتحقيق بعض مطالب العمال .
بالأجمال صار أضراب عمال النفط في البصرة حدثاً عالمياً مهماً . فالشرطة الكويتية طوقت حقول النفط في الكويت . في الظهران احتلت الشرطة السعودية مداخل الشركات الأمريكية العاملة في حقول النفط بعد تقديم مذكرة عمالية تطالب بتحسين حياة العمال كان الموظف العراقي صالح الشايجي ، السجين حالياً في النقرة ، هو الذي كتب المذكرة فطرد من العمل في اليوم التالي مسفراً إلى بلدته الأصلية في الزبير . في عبادان حدث تصادم بين عمال النفط والشرطة بعد اجتماع تضامني عقدوه مساء أمس لتأييد مطالب عمال البصرة المشروعة .
تصدرت أخبار الإضراب نشرات الأخبار في محطات الإذاعة العربية والأجنبية . لا مهرب للطرف الآخر غير المبادرة لوضع نهاية له قبل حدوث تطورات اعتبروها خطيرة أثر التحرك الجماهيري المتسع في لواء البصرة كله.
بالفعل كادت البصرة تشتعل بالانتفاضة فالفلاحون دخلوا الميدان إذ حضرت ثلاثة وفود من فلاحي شمالي البصرة ( القرنة والمدينة ) ومن ( أبو الخصيب ) ومن فلاحي السيبة والفاو ، قدمت مذكراتها إلى المتصرف مطالبة باطلاق سراح الموقوفين وتلبية مطالب العمال .
في تحركات الطرف الآخر ، انعقد اجتماع موسع في دار مدير الشركة شارك فيه كبار موظفي شركة نفط البصرة ( BBC ) وكبار موظفي شركة نفط العراق) IPC ) وكبار النفطيين الخبراء للنظر في مدى امكانية الحد من تأثير الأضراب على الاسعار في السوق العالمية . كما حضر الاجتماع بعض موظفي محطات النفط في طرابلس . ترأس الأجتماع مدير عام الشركة ( المستر تيسو ) . وقد تم أتخاذ العديد من القرارات لأنهاء الأضراب دون الأستجابة لمطاليب العمال بل بالعمل على كسره من داخله .
فشل كاسرو الأضراب وباءت جميع محاولاتهم بفشل مريع فقد صمد الأضراب والمضربون . بل رفد الأضراب بأبتكار جديد هو مشاركة موظفي الشركة بالاضراب دعماً للعمال فتوقف كل شيء في حقول الشركة وتنقلات موظفيها وانقلبت بذلك خطط كسر الأضراب رأساً على عقب .. في التاسع من آذار انخفضت قدرة السلطة المحلية على مقاومة الاضراب أو المطاولة في أساليب الأعتقال والقمع فأعلن متصرف اللواء بيانه بنفسه :
وافقت شركة نفط البصرة على جميع المطاليب العمالية بتطبيق قانون العمل نصاً وروحاً ، وتعهدت الشركة بعدم ممارسة الطرد الكيفي ، وعدم معاقبة المضربين وعدم اتخاذ أي أجراء بحق قادة الأضراب ودفع أجور العمال كاملة خلال الأيام التي أضربوا فيها عن العمل ..
وتقرر أيضاً إطلاق سراح جميع الموقوفين ..
كان ذلك اليوم الربيعي من آذار عام 1951عيداً جماهيرياً في لواء البصرة .
وكان يوم أمس زاهياً في نقرة السلمان حين تحدث عبد الوهاب طاهر عن الأضراب ، وحين تحدث زاهر محمد نجم عن خطط والده لكسر الاضراب وحين تحدث جاسم المطير عن دور الطلبة البصراويين في نصرة العمال ..
وأنا أكتب الليلة هذه الخاطرة بدا لي ان الانسان السجين لا ينسى خشونة الخطو في دروب النضال إذ تظل الدروب الماضية جميلة قادرةً على جلو الأبصار حتى في عتمة السجون .
يتبع
¤ نقرة السلمان (28)
¤ نقرة السلمان (27)
¤ نقرة السلمان (26)
¤ نقرة السلمان (25)
¤ نقرة السلمان (24)
¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)